القائمة الرئيسية

· الصفحة الأولى
· أرسل مقالاً
· أرسل الموقع لصديق
· أرسل تعليق
· أرشيف الأشهر السابقة
· أرشيف المقالات
· المكتبة الالكترونية
· بحث
· دليل المواقع
· جميع الأقسام
· إستفتاءات
· قائمـــة المصنفات
· قسم الأعلانات
 

البحث



 

المكتبــة الالكترونية


 

معـــرض الصـــــــــور

 معرض الصور لموقع حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي

 

منتدى الموقع

 

مكتبة الموقع

 
 

مشروع الوثيقة الفكرية 

الثلاثاء 15 يونيو 2010

 

 

 

 

 

                       حزب
الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي   حرية * اشتراكية  * وحدة
                    في سورية                                                
 

مشروع الوثيقة الفكرية
للمؤتمر العام العاشر
مقدمة عامة:
يبدو من الواضح لكل مراقب سياسي , أنّ أبرز التطورات التي يحفل بها المشهد السياسي الداخلي والعربي حالياً, تشير عبر انعكاساتها السلبية إلى أنّ أزمة الثقافة العربية ,وانحباس الأيديولوجيا في عنق الزجاجة, يعتبران من أبرز العوامل التي أدت ,وما تزال تؤدي, إلى افتراق تلك التطورات والتحولات عن منهج العقلانية السياسية , وعن أن تكون معبرة,ولو في حدودها الدنيا, عن الطموحات والأهداف الوطنية والقومية للأمة العربية , تلك التي تراجعت لحساب أهدافٍ أخرى ما دون وطنيةٍ أو مدنية, متعارضةً بذلك مع مجمل التحولات العالمية المعاصرة  في جانبها الحضاري ,وليس في جانبها الرأسمالي المهيمن على مقدرات العالم وقدراته فائقة التطور والنمو المتسارع بفعل التقدم العلمي والتقني الذي يسير بوتيرةٍ مذهلة.ومتعارضة كذلك ,وهو الأهم, مع أهداف الأمة, ومحتجزة لكل الإمكانات والطاقات التي ينبغي توظيفها بكفاءةٍ عالية لإنجاز وتحقيق الاحتياجات الحيوية للمجتمع العربي في أقطاره المحكومة بمنطق, ونهج, ومسار إرادة القوة والقمع والاستبداد ,عبر تغييب قوة الإرادة الوطنية وتجلياتها في مختلف الميادين.
وليست كل هذه الفوضى المدمرة في السياسية العربية الداخلية والإقليمية والدولية , وكل هذا الاختلاط والتباين والافتراق في مواقف الأنظمة العربية من القضايا الوطنية والقومية الكبرى ,وأيضاً مواقف المعارضات العربية وقواها وأحزابها السياسية , ليست في أبرز جوانبها إلاّ تعبيراً موضوعياً عن  تلك الأزمة العميقة التي يعاني منها الفكر السياسي العربي في معظم محاوره التي تشكل عبر الارتباط فيما بينها عماد التحليل السياسي ونمط الرؤية الخاصة به في إدراكه لمجمل الأحداث والتطورات الحاصلة في المنطقة والعالم.
لذلك يمكن القول ,اختصاراً, أن إعادة بناء الموقف من مجمل التطورات في الوطن العربي, بصورةٍ بعيدة عن الاختلاط والتشوهات التي تصيب الرؤية السياسية بوجهٍ عام , تتطلب  العودة إلى البحث في منهج التحليل السياسي وفقاً لرؤية واضحة تنسجم من خلالها نتائج التحليل واتخاذ الموقف السياسي الصائب والواضح مع مجمل التطورات الفكرية التي تدلل على كيفية ابتكار الآليات الجديدة لتحقيق الأهداف التي ما تزال معلنة, وقابلة للتحقيق بالرغم من كل المعوقات الحالية, بوصف هذه المعوقات  مجموعة من التحديات الداخلية والخارجية أمام العمل الوطني والقومي العربي الذي يعاني من وضعية عربية تتسم بنوعٍ من الاستعصاء الكياني إزاء المحاولات الرامية إلى الانتقال من حالة العطالة الاستبدادية المهيمنة في مركز القرار السياسي العربي ,في اتجاه إطلاق مفاعيل النهضة العامة والشاملة.
وقد تبين لنا, على امتداد السنوات الخمس الماضية الفاصلة بين انعقاد المؤتمرين التاسع والعاشر لحزبنا, أننا واجهنا العديد من الإشكاليات في الكيفية التي تمّ التعبير من خلالها عن مواقفنا السياسية من التطورات الحاصلة في المنطقة ,وعلى مستوى العالم, مما يجعلنا بحاجةٍ ماسة إلى إعادة البحث في جذور القضايا , والعمل على كشف الأسباب الحقيقية التي أدت وتؤدي إلى ارتكاب العديد من الأخطاء في كيفية  طرح أسئلة الحاضر والمستقبل الوطني والقومي , وفي كيفية الإجابة على متطلبات النشاط السياسي لحزبنا في إطار الحركة الوطنية الطامحة للتغيير الوطني الديمقراطي , وكذلك في مقتضيات العمل لتوطيد أسس التحالفات الوطنية ,وتنظيم التواصل والتفاعل السياسي والثقافي مع القوى الوطنية والقومية وكافة فعاليات وهيئات المجتمع المدني داخلياً وعربياً , وذلك بهدف إيجاد المناخ العام المناسب لإطلاق وتفعيل آليات النضال من اجل بلوغ الأهداف المرتسمة في أفق المستقبل العربي بصورةٍ عامة .
 وفقاً لهذه الاعتبارات, ثمّة ,إذن, قضية راهنة لا بدّ من العمل الدؤوب على محورها الرئيسي الذي يتمثل في  تحسين الشروط الذاتية والموضوعية داخل حزبنا وفي الإطار العام للحركة الوطنية الديمقراطية في بلادنا , لتحويلها إلى قضية منجزة وقابلة للتطور الدائم  من أجل اعتمادها أساساً في صوغ مواقفنا السياسية مما يحدث في الداخل الوطني وعلى المستوى العربي والإقليمي والعالمي,  ,ونقصد بها القضية الخاصة بطبيعة ومحددات الفكر السياسي الذي يشكل المحور الرئيس للمحاكمات النظرية ,وللحوار الديمقراطي الحر والمفتوح بوصفه أبرز محاور نشاطنا السياسي والثقافي, وخاصةً مع القوى والأحزاب السياسية التي نشترك معها في مقاربة القضايا الوطنية والاجتماعية , ونتفق معها في ضرورة  إعادة بناء التحالفات السياسية على أسسٍ موضوعية للعمل بدلالة مشروع الأمة الذي ينطلق ,في رأينا أساساً, وفي اللحظة الراهنة من ضرورة إنجاز مهام بناء الدولة الوطنية الديمقراطية , دولة الكل الاجتماعي , باعتبارها تشكل الأساس الدستوري والقانوني والاجتماعي والسياسي والوطني عموماً للتوجه نحو تحقيق الأهداف القومية للأمة العربية.
وفي مشروع الوثيقة الفكرية الأولى التي قُدمت  المؤتمر العام التاسع ,كانت لنا وقفة مع العديد من القضايا التي ينبغي إدراك مضامينها وأبعادها الثقافية ,كمستند لإعادة التأسيس لوعيٍ ثقافي جديد ,يتسم بامتلاك القدرة على النقد الموضوعي ,وعلى تطوير الأفكار والتصورات حول منهجنا في العمل الوطني والقومي , وحول توحيد الرؤى لمجمل المفاهيم المطروحة حديثاً ,وإدماجها في ثقافتنا العامة ,إضافةً إلى إدراك التحولات العميقة التي أصابت المجتمعات الإنسانية عامةً ومجتمعنا العربي بوجهٍ خاص في ظل العولمة الراهنة ,وفي واقع ارتداد السياسة العربية إلى محاور التقليد عبر إعلاء شأن النزعة القطرية المحتضنة للوعي الزائف حول مجمل القضايا الراهنة , والمولدة كذلك لظاهرة الفساد والإفساد وانتشار النزعة الاستهلاكية بديلاً عن الاهتمام بالشأن العام وممارسة السياسة ,وأيضاً المحاولات المستمرة للأنظمة العربية لإدامة القهر والاستبداد ,وسط احتجاز السياسة المدنية الحديثة, والثقافة التي تعرضت أخيراً لشروخٍ عميقة نتيجةً للسياسة العدوانية التي انتهجتها الإدارة الأمريكية السابقة ,إضافةً إلى الأنظمة الاستبدادية المعادية لهذه الثقافة
وفي هذا الإطار ينبغي التأكيد على أهمية الحوار الديمقراطي الحر والمفتوح مع كافة القوى الحية والفاعلة في المجتمع لإيجاد الشروط الموضوعية الخاصة بالعمل الوطني ,وأن يتم التأسيس لعقد اجتماعي مدني يشكل المحور الرئيسي لبناء الوحدة الوطنية القابلة والقادرة على إحداث التحولات الديمقراطية اللازمة ,بوصفها المقدمة الموضوعية لبناء الدولة المدنية الحديثة.
كما ينبغي التأكيد بصدد مقومات الدولة الوطنية ,إضافةً إلى ضرورة حل المسألة الديمقراطية بكلّ منطوياتها الفكرية و السياسية والقانونية والاجتماعية  ,على ضرورة أن يكون العمل بدلالة مشروع الأمة  واضحاً في نهجها ومسارها ,وفي سياستها وعلاقاتها العربية والإقليمية والدولية .وذلك من خلال الإدراك العميق بأن المشروع النهضوي العربي يصبح ممكن التحقيق في أفق المستقبل عندما يتم العمل بدلالة الضرورة الموضوعية لإنجاز مهامه المتعددة المرحلية منها والاستراتيجية,وحين يدرك من بيدهم الأمر في  مركز القرار السياسي للدولة, ناهيك عن المعارضة السياسية,  أن مسار التحقيق لهذا المشروع يتطلب مراعاة التلازم غير القابل للعبث بين متطلبات السياسة الواضحة والقائمة على مواجهة كافة أشكال الهيمنة الأجنبية والمشروعات المعادية التي تخترق المنطقة, وفي مقدمتها المشروع الصهيوني المعادي لأمتنا العربية, والمشروع الأمريكي في المنطقة .وبين متطلبات السياسة الداخلية القائمة على الحرية والعدالة ومحاربة الفساد والإفساد والاستبداد من جانبٍ آخر .
 ولا ريب أن الزمن الفاصل ما بين صدور الوثيقة الفكرية الأولى ,وما نحن عليه الآن, قد حفل بالعديد من التطورات والأحداث المتسارعة التي اتخذ حزبنا إزاءها العديد من المواقف السياسية التي أثرت على المساهمة الفاعلة, على نحوٍ ما, في مجال العمل الوطني والقومي , ولابدّ والحالة هذه من التقدم في اتجاه تطوير الفكر والوعي النقدي ,الذي يتطلب من جانبه المزيد من الشفافية والوضوح ,وامتلاك الشجاعة الأدبية لإجراء مراجعةٍ نقدية ,نستشف بها ومن خلالها آفاق المستقبل في نضالنا الوطني  , والكيفية التي يمكن من خلالها مواجهة المشاريع الخارجية المعادية.
أولاً : الدولة الوطنية وأسئلة النهضة :
          لقد أثبتت تجربة العمل الوحدوي التي أخفقت في الوطن العربي أنّ الأنظمة الشمولية لا يمكن لها, وفقاً لطبيعتها البنيوية, إطلاق مفاعيل النضال الوحدوي ,أو حتى التفكير بمغادرة مواقعها التي تتشبث بها ,وذلك نتيجةً للظروف الذاتية والموضوعية التي حددت نشأتها واستمرار تطورها في موقع الحكم والتحكم بمصير المجتمع وحاضره الراهن ,حيث فرضت نظامها الاستبدادي الخاص بها عبر التفرد بالسلطة والهيمنة على مؤسسات الدولة ,وتعطيل القوانين المدنية ,وفرض نظام الطوارئ والقوانين الاستثنائية ,وسط افتقادها للشرعية والمشروعية الدستورية.
ومن الواضح أنّ للنضال الوحدوي والقومي العربي شروطه الموضوعية ,ونهجه الخاص به ,وتوجهاته الوطنية والنهضوية التي تحدد المسار السياسي في مختلف الميادين. وهذا ما تفتقد إليه الأنظمة الراهنة الممسكة بمركز القرار السياسي العربي , إضافةً إلى استقالتها من وظائفها الداخلية الخاصة بالمجتمع واحتياجاته الحيوية الأساسية في الاقتصاد ,والاجتماع ,وفي بناء الوحدة الوطنية وممارسة السياسة المدنية ,وفي التنمية المستدامة بكلّ أبعادها ومضامينها.
لذلك يبدو أنّ تجديد المشروع النهضوي العربي ,وإعادة إطلاق مفاعيله في الأوساط الاجتماعية والثقافية والسياسية, يتطلب إعادة بناء الموقف الفكري والسياسي من المقدمات الموضوعية ,التي تتوقف انطلاقته أساساً على تحقيقها وإنجازها , وفي مقدمها مجمل الأبعاد والمضامين الخاصة بالحرية والديمقراطية ,وبناء الدولة المدنية ,وامتلاك القوى والفعاليات الوطنية لزمام المبادرة في تغيير نهج الانكفاء  الذاتي ووضع أهداف الأمة وطموحاتها في تحقيق التقدم الحضاري على جدول عمل التاريخ في وطننا العربي.
ولما كان التغيير الوطني الديمقراطي الهدف الأول الذي يتسم بكونه حاجة موضوعية وتاريخية في اللحظة الراهنة من تاريخنا الوطني والقومي ,والذي يحظى بجماع الحركة الوطنية الديمقراطية في بلادنا, لا بدّ له من تحديدٍ واضح لمضامينه الفكرية والسياسية التي يمكن من خلالها إعادة صياغة أسئلة النهضة ,ومحاولة الإجابة عليها إضافةً لاستشراف آفاق المستقبل لنضالنا الوطني والقومي بآنٍ واحد.
بالرغم من كل الانتقادات التي وجهت للدولة القومية ,والتي أسست عملياً لانطلاقة النهضة الصناعية والحضارة الغربية المعاصرة ,وتراجع دورها ,وافتقادها للعديد من وظائفها الحيوية في ظل العولمة الراهنة, إلاّ أنها ما تزال تعتبر السؤال الأول والبارز في انطلاقة التجدد الحضاري في الوطن العربي .
ويمكن القول بصورةٍ عامة أنه ثمة مجموعة من الشروط الموضوعية التي ينبغي توافرها في أي مجتمع من المجتمعات لبناء الدولة الوطنية  المدنية الحديثة ,ومن أبرزها وفي مقدمتها :
  1. توافر الحرية الكاملة بمعناها ومفهومها الإيجابي لكافة المواطنين في المجتمع دون تمييز ,من أجل المساهمة الفاعلة في تحديد المحاور الرئيسية للعقد الاجتماعي والتعاقد المدني الديمقراطي في الحياة المشتركة بين كافة الفئات الاجتماعية المعنية ,ونقصد بالمفهوم الإيجابي للحرية الانتقال به من التجريد النظري أو الأيديولوجي إلى تجسيده في خضم التجربة الانسانية للمجتمع في مختلف ميادين الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
  2. توافر الإرادة الفردية والاجتماعية لممارسة الحرية من خلال إحلال الديمقراطية محل البنية السياسية الشمولية سواء كانت فردية أو فئوية أو حزبية مهيمنة على المجتمع ومقدراته ,ومن المعروف أنه ثمّة فارق كبير بين الفعل الإرادي المجتمعي القائم على الوعي والعقلانية السياسية,وبين التحشيد التعبوي الفاقد للإرادة الذي تقوم به الأنظمة الشمولية
  3. الانتماء الوطني والقومي السياسي والاجتماعي ,للوطن والأمة وما يتضمنه هذا الانتماء من تحديد لأبعاد الهوية التي ينبغي لمفهومها أن يكون واضحاً لا بدلالة التاريخ والجغرافيا والحضارة ,وحسب, وإنما بدلالة الحاضر والمستقبل, ومن خلال مجمل الأهداف والطموحات التي تسعى أمتنا العربية لتحقيقها وأبرزها بناء الدولة وإنجاز مهام النهضة الحديثة في الوطن العربي.
  4. الاستقلال والسيادة الوطنية ونزع التبعية للقوى الخارجية ,ومواجهة المشاريع الدولية الوافدة وأبرزها مشروع الشرق الأوسط الأمريكي والمشروع الاستيطاني الصهيوني المعادي لأمتنا  ,و تحديد كيفية التعامل مع المشاريع الإقليمية  للدول المجاورة في المنطقة .
  5. توافر درجة عالية من الوعي السياسي بمضامين وأبعاد الأهداف المطروحة ,والوسائل الممكنة لتحقيقها . لذلك يتجلى الشرط الموضوعي – وغير الكافي – لإعادة التأسيس للوحدة الوطنية الديمقراطية والتماسك الاجتماعي في ضرورة إرساء أسس العقد الاجتماعي ,وما ينبثق عنه من قوانين وضعية تحكم العلاقات الداخلية في المجتمع ,وتعيد تنظيم العلاقة بين سلطات الدولة الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية ,وكذلك المؤسسات الخاصة بها بصورةٍ تكاملية.
طبيعة الدولة المدنية الحديثة:  هناك العديد من البحوث الفكرية والثقافية التي حاول أصحابها مقاربة مفهوم الدولة المدنية ,ومقوماتها ,وطبيعتها وبنيتها السياسية والاجتماعية ,وفي هذا الإطار العام يمكن مقاربة الطبيعة البنيوية لهذه الدولة  التي يعتبرها معظم المفكرين والقوى والأحزاب السياسية العربية من المهام الراهنة لتجديد النهوض العربي وإعادة العمل الوطني بدلالة مشروع الأمة وأهدافها المرحلية والاستراتيجية,ولذلك يمكن القول باختصار منهجي:
أولاً : أنها دولة تخص عموم الهيئة الاجتماعية على اختلاف أفرادها وانتماءاتهم الثقافية والدينية والسياسية والاجتماعية ,فالدولة المدنية هي دولةٌ لكل مواطنيها بوصفها دولة الكل الاجتماعي القائمة على التعاقد المدني الديمقراطي بين كافة أبناء المجتمع .
ثانياً : إنّ صفتها المدنية تشير إلى منشئها وطبيعتها ووظيفتها التي تخص الاجتماع البشري ,وهذا يجعلها هيئة سياسية تنشأ وتتطور داخل التاريخ مما ينفي إحالتها لأية مرجعية خارجة عن المجتمع نفسه
ثالثاً : إن طبيعة الدولة المدنية لا تنفي بأي حال التوجهات الدينية لدى الأفراد والفئات الاجتماعية , ذلك أنه التوجه الذي يعبر عن منظومة القيم الروحية الخاصة بالفرد والمجتمع على اختلاف فئاته ومكوناته . ولا ريب أن المحافظة على هذه المنظومة الهامة في حياة الناس يدخل في الإطار العام للمحافظة على حقوق الانسان والمجتمع ,ولا يعني بحال اللجوء إلى تبديل أو تغيير طبيعة الدولة المعنية.
رابعاً : إن المحافظة على طبيعة الدولة المدنية يتعارض أساساً مع المحاولات التي تهدف إلى تغيير طبيعتها تحت شعارات وادعاءات غيبية, كما أنها تتعارض في مضمونها الديمقراطي التعاقدي مع مختلف المنظومات الوضعية المتخلفة التي تدعو إلى إقامة كيانات سياسية باسم العرق أو الحزب او الطبقة التي تسعى للهيمنة على الدولة والمجتمع بآنٍ واحد.
خامساً: تعتبر الديمقراطية مكون أساسي من مكونات الدولة المدنية الحديثة التي ننشد, إضافةً إلى أن الديمقراطية تشكل بحد ذاتها قواماً معيناً لمجموعة من القواعد السياسية والدستورية والثقافية ,وهي عملٌ من أعمال التاريخ الذي يستوجب نضالاً يتعدى ويتجاوز مجرد استبدال سلطة سياسية بأخرى إلى العمل على إيجاد المناخ السياسي والاجتماعي والثقافي المناسب لتحقيق أهداف الأمة التي ننشدها من خلال الديمقراطية نفسها كنظامٍ معين من بين أنظمة الحكم المختلفة.
سادساً: بما أنّ الدولة التي نقصد هي دولةٌ لكل مواطنيها , لذلك ينبغي أن تكون الضامن الدستوري والقانوني لتحقيق الاحتياجات الحيوية للمجتمع , وتبعاً لذلك فإن أبرز المصالح الوطنية والقومية للشعب العربي في أقطاره تتمثل في أن اكتساب الدولة لاستقرارها السياسي والاجتماعي , وانتقالها إلى تحقيق المهام النهضوية المنوطة بها , يتوقف على تحولها المباشر إلى موقع للعمل الوحدوي , بحيث يرتسم نهجها ومسارها وفقاً لمضامين وأبعاد المشروع النهضوي العربي ,وليس وفقاً لأي مشروع قطري منكفئ على ذاته.
سابعاً : وتبعاً لذلك ,لا بدّ لهذه الدولة من العمل على المحافظة على الأسس العامة والرئيسية للمشروع النهضوي ,وذلك من خلال بناء سياستها العربية والإقليمية والدولية على قاعدة مناهضة كافة المشاريع الأخرى المعادية,وخاصةً منها المشروع الصهيوني والأمريكي في المنطقة,  والمتعارضة مع التوجهات المرحلية والاستراتيجية لتحقيق الأهداف التي تسعى وتطمح إليها الأمة العربية , وعلى توطيد أواصر التعاون المجتمعي والمدني والسياسي مع الكتلة التاريخية للأمة في أقطارها .
ثامناً : إن التجربة التاريخية لبناء الدول الحديثة في العالم تشير بوضوحٍ تام إلى أنه ينبغي للدولة الحديثة التي نقصد , والتي تقع في وسط ما هو أشمل منها من مشروع نهضوي عربي عام وشامل,أن تنأى بمؤسساتها وسلطتها الدستورية  عن تطبيق مفهوم السيادة الداخلية المطلقة للدولة على مجتمعها , ذلك المفهوم الذي أضحى موضع نقدٍ كبير في الفكر السياسي الحديث في كافة الدول المتقدمة . هذا المفهوم الذي يؤدي عند تطبيقه إلى إقصاء معظم الفعاليات الاجتماعية والسياسية عن المشاركة الفاعلة في مناقشة واتخاذ القرارات السياسية , ولابدّ لكل دولة مدنية ديمقراطية حديثة ,من إشراك كافة هيئات ومنظمات المجتمع المدني ,وأيضاً مجمل الفعاليات الاقتصادية والسياسية والثقافية في تحديد التوجهات العامة والمحاور الرئيسية التي  ترتسم من خلالها السياسة الداخلية والخارجية للدولة في مختلف ميادين الحياة ,وخاصةً منها ما يتصل بالقضايا الكبرى للأمة والمجتمع .
آليات بناء الدولة الوطنية الديمقراطية :  لا ريب  في أن الخلاص من الاستبداد الذي يفرضه نظام الدولة الشمولية يتطلب الانتقال بشعار التغيير الوطني الديمقراطي وبناء دولة الحق والقانون إلى التنفيذ عبر آليات معينة تفرضها طبيعة المرحلة القادمة , والسبل الكفيلة بتفعيل الحراك الاجتماعي الثقافي والسياسي ,وإيجاد المناخ العام المواتي لإحداث عملية التغيير التي نقصد بالطرق السلمية التي تختلف بين قطرٍ عربي وآخر , والانتقال إلى مرحلة التحويل الديمقراطي للدولة ,والذي نقصد به إعادة بناء مؤسسات الدولة بما يجعلها تستجيب لإرادة المجتمع وتتفاعل معه وتعمل على تحقيق طلباته ,ويمكن لهذا التحول التاريخي أن يتم عبر عملية معينة تتضمن ثلاث مهام رئيسية مرتبطة فيما يبنها:
الأولى : وتتعلق بتأكيد السيادة الشعبية ,أي حتمية صدور السلطة نفسها ,واتخاذ القرارات العامة عن المجتمع نفسه ممثلاً بنوابه أو ممثليه الشرعيين, وفقاً للانتخابات الحرة النزيهة وسيادة القانون المدني .
الثانية : تغيير قواعد ممارسة السلطة العمومية ,وإدخال مبدأ التداول السلمي للسلطة, والشفافية في إدارة البلاد واتخاذ القرارات السياسية, إضافةٍ إلى تطبيق مبدأ المحاسبة الشعبية , وهذا يقتضي أساساً تشريع  منظومة حقوق المواطنة وواجباتها وما ينبثق عنها من هيئات ومنظمات للمجتمع المدني ,وتشريع وجود المعارضة والتعددية السياسية .
الثالثة : تحقيق مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث : التنفيذية والتشريعية والقضائية ,ومنع مركزة السلطة في يد فرد أو حزب أو مؤسسة واحدة . وقطع الطريق على الاستبداد والديكتاتورية. وهذا يعني باختصار : تمثيل السلطة السياسية للرأي العام وضمان مراقبته الدائمة لها , وخلق شروط تداول السلطة ووجود معارضة شرعية وإلغاء فرص تكوين سلطة مطلقة لا حدود لها تخضع لإرادتها الخاصة جميع وسائل الإدارة والقضاء والقانون كما هو الحال في بلادنا الآن.
ثانياً : الدولة الوطنية والمشروع النهضوي العربي  :  عندما أشرنا إلى أن الدولة الوطنية الديمقراطية , والمدنية الحديثة, تقع في وسط ما هو اشمل منها ,ويشكل الحاضنة الجيوسياسية لنشوئها , وارتقائها وتحولها إلى موقع للعمل الوحدوي , عنينا بذلك الوطن العربي ,ومشروعه النهضوي المعاصر , حيث تصبح الدولة الوطنية الحديثة الركن الرئيس والمقدمة الموضوعية التي لا بدّ منها لإعادة إطلاق مفاعيل هذا المشروع الحضاري في وطننا العربي والذي تجلى فيما حاوله الزعيم الراحل عبد الناصر  بدءاً من العمل على بناء  دولته الوطنية التحررية وانطلاقاً نحو الفضاء القومي العربي.
    فقد دَشَّنَتِ ثورة23 تموز/يوليو 1952 طوراً نهضويّاً جديداً حين أطلقت مبادئها الستة ومشروعَها التنمويَّ والاستقلاليَّ والوحدويّ. و أحدثت مكتسباتُها استنهاضاً لا سابق له لكل قوى الأمة وطموحاتها التحررية والقومية. ومن يستعيد اليوم معطيات النهج والمسار  الناصري الذي ما يزال راهناً، والمكتسبات التي تحققت في إطاره، يدرك إلى أيّ مدًى شقَّ ذلك المشروع طريقه إلى النهضة.
 

            استند المشروع الناصري الذي ننتمي إليه تنظيمياً وفكرياً ,  إلى رؤية برنامجية لعملية النهوض الوطني والقومي شملت المجالات كافة: توجهت في الداخل المصري إلى تحقيق الإصلاح الزراعي وإعادة تحديد ملكية الأرض وتوزيعها على الفلاحين الصغار، وتحديد الإيجارات للأراضي الزراعية واستصلاح الأراضي وتنمية مساحاتها، وإعادة تنظيم تدفق الثروة المائية وتوزيعها ببناء السدّ العالي. وتوجهت إلى التصنيع والتصنيع الثقيل أو إلى إنتاج أدوات الإنتاج فضلاً عن تنمية صناعة النسيج. وأمَّمت شركة قناة السويس والبنوك والمصارف والشركات الكبرى المملوكة للأجانب أو لقوى الرأسمال الخاص وأخضعتها لملكية الدولة، ونمَّت القطاع العام. ثم قدمت مساهمةً رائدة في تحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والحدّ من الفوارق بين الطبقات بإنصاف فئات الكادحين في حقوقهم الاجتماعية. وقبل ذلك كله، أنجزت مهمة الاستقلال الوطني الكامل من خلال حمل بريطانيا على الجلاء.
 

            أما على الصعيد القوميّ، فقد قادت مصر الناصرية المعركة ضد الأحلاف الأجنبية، ووضعت قضية فلسطين والصراع العربي – الصهيوني في قلب أولويات سياستها الخارجية، فخاضت حربين ضدّ إسرائيل، ورعت مشروع إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية، ودعمت فصائل المقاومة بالمال والسلاح والقرار السياسي، وفكت طوق الحصار والقتل عن مقاتليها في الأردن صيف العام 1970، وقدمت الدعم للحركات الوطنية في المغرب العربي وللثورة الجزائرية خاصة، ناهيك باليمن وحركة التحرر الوطني في أفريقيا. ورعت ميلاد حركة عدم الانحياز في العالم الثالث، وأطلقت أول تجربة وحدوية عربية رائدة في التاريخ الحديث (الوحدة المصرية – السورية). وأسَّست فكرة التضامن العربي، في إطار جامعة الدول العربية، على قاعدة التمسك بالثوابت القومية وعدم التفريط فيها.
 

            ولقد كان لهذا المشروع النهضويّ الذي حملته الناصرية في النطاقين الوطنيّ والقوميّ وقطعت فيه أشواطاً، تأثيراتٍ بالغةٌ في مجمل الوضعِ العربيِّ: الشعبيِّ والرسميّ. فبقدر ما حَمَل الفكرةَ القوميَّةَ النهضويَّةَ إلى الآفاق الرحبة وكرَّسها في الرأي العام واسْتَوْلَدَ جمهورَها العربيّ، بقدر ما قدَّم مثالاً مرجعيّاً لتجارب عربية أخرى في الجزائر والعراق وسوريا جرَّبت أن تنسج على منواله.
 

      لكن هذه اللحظة النهضوية الثانية، التي أطلقتها الناصرية في فجر النصف الثاني من القرن الماضي، سرعان ما ستتعرض للانتكاس ابتداء من حرب العام 1967، وخاصة بعد رحيل عبد الناصر والانقلاب على مشروعه في مصر وبَقية البلاد العربية منذ عقد السبعينيات من القرن العشرين الماضي.
وعلى طريق إعادة النهوض الوطني والقومي العربي ,ثمة العديد من المعضلات التي تشكل بمجموعها العناصر الرئيسة للوضعية العربية الراهنة والتي ينبغي التقدم لتغييرها وإعادة تشكيل الوضع الجيوسياسي للمنطقة العربية بما يضمن تحقيق الأهداف التي سعت إلى تحقيقها الثورة الناصرية والتي ما تزال تمثل أهداف الأمة وغاياتها الحضارية في الوطن العربي.
 ومن أبرز هذه المعضلات يشكل استبداد النظم الشمولية وقمعها للحريات الأساسية للمواطنين و لأي حراك وطني ديمقراطي , الركيزة الأولى لاستمرار الوضعية العربية الراهنة, وما فيها من تخلف حضاري وانقسامات مجتمعية عمودية قائمة على بعث أمراض الموروث الاجتماعي بطابعها الفاشي المدمر للوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي ,ومن تجزئة سياسية منكفئةٍ على ذاتها  وتبعية اقتصادية وسياسية للقوى الخارجية المعادية ,ومن غياب وتغييب للقانون المدني وتعطيله من خلال العمل بالقوانين الاستثنائية الضامنة لإدامة القهر والاستبداد ولاستمرار النظم الشمولية في موقعها السياسي,وإقصاء كافة  القوى الحية والفاعلة في المجتمع عن أي مشاركة في العملية السياسية في بلادنا ,إضافةً لاستمرار وتعاظم قوة الكيان الصهيوني بطبيعته العدوانية الاحتلالية في قلب الوطن العربي ,و إعادة إنتاج مشاريع القوى الخارجية المعادية بمسميات متعددة ,وأهداف متماثلة.
إنّ أسئلة النهضة العربية تتطلب وضع هذه اللوحة التركيبية المأساوية للوضعية العربية الراهنة , والإجابة عنها عبر  وضع الردود المرحلية والاستراتيجية في إطار منظومة من الأهداف المترابطة فيما بينها, بعيداً عن منطق الأولويات الذي يؤول إلى استبدال هدفٍ معين ببقية الأهداف المرتبطة به والتي يستند إليها في مآله الأخير في التحقق والانجاز . فالديمقراطية هي السبيل الوحيد لضمان مشاركة الأمة في إعادة صياغة مستقبلها, والوحدة العربية تمثل الرد الاستراتيجي على واقع التجزئة السياسية الكيانية , كما تمثل العدالة الاجتماعية إنهاء ظاهرة الاستغلال غير المسيطر عليها والتمايز الطبقي الذي تتعمق جذوره بذريعة تحقيق الكفاءة الاقتصادية التي يروج لها الليبراليون الجدد. وتجذير مقومات الاستقلال والوحدة الوطنية هو السبيل لإنهاء كافة أشكال الهيمنة والاحتلال في العديد من الأقطار العربية. كما أن إطلاق مفاعيل التجدد الحضاري يشكل الضمان الموضوعي للخلاص من حالة التأخر التاريخي القائمة .
ثالثاً : الديمقراطية :  ولا ريب أنه في مقدمة الأسئلة الراهنة التي ينبغي الإجابة عليها ,يبدو سؤال الديمقراطية ,وما اعتور الأجوبة الواضحة عليه من تشوهات في الممارسة والتطبيق ,حتى في الدول المتقدمة ,هو السؤال الذي ما يزال راهناً بوصفه الحاجة الموضوعية والتاريخية ,الذي يؤدي الاشتغال عليه والنضال لتحقيق مضامينه وأبعاده إلى وضع المشروع النهضوي العربي برمته على جدول عمل التاريخ في الوطن العربي بكل أقطاره وامتداده الجيوسياسي المميز في هذه المنطقة من العالم .
وتتجلى الحاجة الراهنة والملحة لحل المسألة الديمقراطية في الوطن العربي عبر عدد من أحكام الضرورة الموضوعية ,ومن أبرزها:
1.   في مضمون الحرية الانسانية بوصفها معطى طبيعي يتميز به الإنسان عن غيره ,وتتبدى في منظومة الحريات العامة والأساسية غير القابلة للانتقاص أو الإخلال بها من حيث المبدأ ,لأن في النيل منها انتهاكٌ لمضامين حقوق المواطنة التي تتجلى في حزمة الحقوق والواجبات للفرد/ المواطن داخل إطاره الاجتماعي.
2.   ضرورة تطبيق المبادئ والقواعد العامة للديمقراطية لبناء الدولة الوطنية ,وإطلاق مفاعيل الممارسة السياسية المدنية لكافة المواطنين وفسح المجال أمام الطاقات الكامنة لدى المواطنين في الإبداع في مختلف الميادين.
3.   الضرورة الاجتماعية لتحقيق الديمقراطية بوصفها المحور الرئيس الذي تستند إليه العملية التاريخية في المحافظة على التماسك الاجتماعي وتوطيد أركانه ومقوماته ,من خلال تجذير الأسس التاريخية والحضارية للوحدة الوطنية في كافة أقطار الوطن العربي.
4.   تطوير الفكر السياسي والثقافي, واكتساب المواطنين للوعي النقدي لمعطيات الواقع العربي الراهن, والبحث من خلاله عن السبل الكفيلة بتجاوز أمراض الموروث الاجتماعي التي تهدد المجتمع العربي بالانقسامات العامودية التي يمكن لها أن تنال من الاندماج الاجتماعي.
5.   تطوير وتجديد النظام الوطني الديمقراطي الذي ينبغي إقامته لتحديد العلاقة بين الدولة والمجتمع وفقاً لمعايير العقد الاجتماعي, ولمنظومة القوانين المدنية النافذة المنبثقة بطبيعتها  من الدستور الذي يتم وضعه من قبل هيئة مكلفة بالالتزام بمضامين العقد الاجتماعي .
لذلك يمكن القول, أنّ الديمقراطية بوصفها التطبيق الفعلي لمبدأ الحرية الإنسانية هي :
نظام شامل للحكم لا يمكن إخضاع عناصرها أو مقوماتها للتجزئة أو الانتقاص الاستنسابي من أية فئةٍ كانت :
ولا يمكن اعتبار نظامٍ ما أنه نظام ديمقراطي إلاّ عندما تتوافر فيه مجمل المقومات أو المبادئ الخاصة بالديمقراطية بصورةٍ كاملة وغير منقوصة وهي :
أولاً : الحريات العامة والأساسية لكافة أبناء المجتمع التي تجعل منهم مواطنين في دولتهم التي ينبغي أن تتمتع بالاستقلال والسيادة الوطنية , دون أن يكون ثمّة قيد يحدّ من هذه الحريات إلاّ ما يفرضه احترام حريات الآخرين.
ثانياً : المساواة التامة بين أبناء  المجتمع أمام القانون على اعتبار أن نظام الحكم الديمقراطي هو الذي تُعتبر فيه الدولة دولة لكل مواطنيها بغض النظر عن الانتماء الاجتماعي أو السياسي ,ودون تمييز بين المواطنين في العرق أو الجنس أو المذهب أو التباينات الفردية و الطبقية.
ثالثاً : حق المواطنين في المشاركة السياسية من خلال التعددية ,وضمان حق الاختلاف في الانتماء الحزبي , أو الانتماء لمنظمات وهيئات المجتمع المدني . ومنع احتكار فئة معينة أو حزبٍ سياسي ما من الأحزاب للتمثيل السياسي ,على أن يستند هذا التمثيل للتنافس المشروع بين الأحزاب والقوى المعنية ,وكسب الرأي العام بالوسائل الديمقراطية.
رابعاً : ضرورة احترام حقوق الانسان بصورةٍ عامة وشاملة, وعلى النظام الديمقراطي تنفيذ كافة المواثيق والعهود الدولية الخاصة بشرعة حقوق الانسان والتي أقرها وصادق علبيها هذا النظام.
خامساً : حق التصويت لكافة المواطنين المسجلين في اللوائح الانتخابية ,بطريقة تضمن حرية ونزاهة الانتخابات ,والاحترام الكامل للإرادة الشعبية في تقرير نتائجها , إضافةً للحق المشروع لمجمل الفعاليات والفئات الاجتماعية والسياسية والحقوقية في الرقابة الدائمة على إدارة السلطة في البلاد.
سادساً : الفصل بين السلطات الثلاث في الدولة, وضمان عدم طغيان السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية ,وضرورة حياد واستقلال القضاء. واحترام اللوائح الداخلية في كافة مؤسسات الدولة والعمل  بموجب أحكامها الخاصة بها.
سابعاً : التداول السلمي للسلطة ,وإقرار مبدأ حق الأكثرية السياسية في تشكيل الحكومة ,وضمان الحق المشروع للأقلية ولكافة منظمات المجتمع المدني في الاعتراض على ما تراه أو تلحظه من ممارسات خاطئة في استخدام السلطة.
ثامناً : يعتبر العقد الاجتماعي المحور الرئيسي الذي يستند إليه النظام الدستوري ,والذي يمثل بدوره النظام الأساس للدولة , بحيث يتم من خلاله تنظيم العلاقة بين كافة أجهزة ومؤسسات الدولة ,وبينها وبين كافة الفعاليات الاجتماعية والسياسية والثقافية والحقوقية غير الحكومية القائمة في البلاد.
تاسعاً : يتطلب استقرار النظام الديمقراطي العمل على تلبية الاحتياجات الحيوية للمجتمع ,وذلك من خلال وجود نظام اقتصادي/ اجتماعي يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية ,والنصيب العادل لكافة أبناء المجتمع في الثروة الوطنية وفقاً لأحكام مبدأ تكافؤ الفرص  فيما بينهم.
 الديمقراطية  والليبرالية الجديدة : في مقدمة  المفاهيم ,التي تعرضت  لتشوهات واضحة مفهوم الديمقراطية , وذلك منذ أن بدأ الغرب الرأسمالي  يوظف المسألة الديمقراطية في أجندته الخاصة لأهداف رأسمالية, للهيمنة على العالم اقتصادياً وسياسياً وبخاصة في الوطن العربي. مما أدى إلى محاولة  الأنظمة الشمولية المناهضة للحريات الديمقراطية,استغلال الموقف من خلال الطعن بالامتياز التاريخي لهذا المفهوم,  باعتباره نظام الحكم الذي أثبت مصداقيته من بين أنواع الحكم المختلفة, وقدرته على الاستمرار والحضور الدائم وسط المتغيرات العاصفة التي يشهدها العالم في اللحظة الراهنة  من تاريخه.
ومن الواضح أن مبعث هذه التشوهات  ناجم عن عددٍ من العوامل الداخلية الذاتية المرتبطة بحالة التأخر التاريخي ,حيث يشكل القصور في الوعي السياسي أبرز مظاهره , وبطبيعة الأنظمة الشمولية المتحكمة في الوطن العربي ,إضافة للعوامل  الخارجية الوافدة من دول النظام الرأسمالي ,والتي عمدت إلى تشويه منظومة القيم الخاصة بالحريات الإنسانية, عبر جنوحها إلى الاعتماد على مجمل آليات العولمة الراهنة, الثقافية منها, والاقتصادية والسياسية ,وإعلاء شأن الأيديولوجيا الليبرالية الجديدة والمتضمنة في أبرز محاورها نظرية "نهاية التاريخ" مما هو معروف.
وتجدر الإشارة إلى أن أبرز هذه العوامل يتجلى في :
1 – التناقض في الممارسة العملية بين السياسة الخارجية والداخلية والكيل بمكيالين  لدى الدول الغربية وفي مقدمها الولايات المتحدة الأمريكية, مما أدى إلى افتقاد دعواها حول إحلال الديمقراطية في العالم , إلى أية مصداقية موضوعية.
2- افتراق النهج الليبرالي لدى هذه الدول عن منظومة القيم الليبرالية في أصولها الأولى ومرجعيتها الأساسية , في الحرية والعقلانية والمساواة واحترام حقوق المواطنة والمنافسة الاقتصادية غير الاحتكارية.
3- طغيان الفكر الليبرالي الجديد  وتحوله إلى أيديولوجيا لعدد من المجموعات والأفراد في عدد من الأقطار العربية ,حيث يجري الاصطفاف وفقاً لمعاييره الاقتصادية والسياسية .دون ممارسة النقد الموضوعي لحقيقة التشوهات التي أصابته
4- إغفال بعض الأحزاب السياسية في توجهاتها الأساسية لأهمية وأولوية المسألة الوطنية والقومية. وكذلك قضية العدالة الاجتماعية.
      وفي واقع الأمر تعتبر الليبرالية في زمن نشوئها وارتقاءها عقيدة مناهضة لكافة المنظومات الفكرية والسياسية والعقائدية التي تُخضع الإنسان/ الفرد لها سواء تحققت في أنظمة حكم أو سلطات دينية أو علاقات اجتماعية/ اقتصادية قائمة على الاستغلال والعسف والاضطهاد أو غيرها. وذلك بوصفها آليات متشابهة تعمل بهدف احتجاز الحقوق الطبيعية للإنسان والتي تكفل له حرية المبادرة والإبداع والعمل على صوغ مستقبله في وسطه الاجتماعي.
فالليبرالية لم تكن في أصولها الأولى نظرية أيديولوجية متكاملة وإنما أفصحت عن نفسها باعتبارها حركة إحياء لحرية الإنسان في وسطه الاجتماعي القائم على قاعدة الحق الطبيعي , و المتمايز أساساً عن الحق التعاقدي الذي انبثق فيما بعد من إرادة المجتمع بوصفه تعبير عن نهج معين لبناء الدولة الحديثة, وتحقيق الاحتياجات الحيوية للمجتمع ,وذلك عبر إقرار سيادة القانون المنبثق هو الآخر من العقد الاجتماعي المدني .
لذلك لم تفصل منظومة القيم الليبرالية بين الانسان/الفرد/ المواطن وبين مجتمعه , وإنما قدمت فهماً خاصاً للعلاقة بينهما على أساس الحرية وتجلياتها المتعددة في الفكر والممارسة , في مختلف المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية . ووفقاً لهذا المنظور تعتبر الدولة حارسة وضامنة لسيادة النظام الاجتماعي , حيث تقوم بالتنظيم والتنسيق بين أوجه النشاط الإنساني المختلفة من خلال التزامها بالمحاور الرئيسية للعقد الاجتماعي وتعبيراته في الدستور والقوانين النافذة.
إلاّ أنّه ما كان بذرةً ,فحسب, في زمن النشوء والارتقاء ,وخاصةً في مجال الاقتصاد والنتائج الهامة تاريخياً للثورة الصناعية, أنتج فيما بعد ظواهر مغايرة تماماً للأصل ,إن لم تكن متعارضة لمنظومة القيم التي ذكرنا ,حيث تحولت البرجوازية المدينية الحديثة,آنذاك , إلى رأسمالية احتكارية ,كما تحولت الدولة المدنية إلى دولة استعمارية معادية ومصادرة لحق الشعوب في تحررها الوطني واستقلالها . وأضحت مجمل آليات الإنتاج والاقتصاد العالمي المتقدمة ممتلكة من قبل دول المركز الرأسمالي, كما انتشرت نظرية التفوق الأوربي في مجال الثقافة والممارسة السياسية للنظام الرأسمالي العالمي. وفي هذا الإطار العام من الانحرافات برزت النظريات العرقية والعنصرية كالفاشية والنازية التي قادت الحروب الكونية المدمرة بالتزامن مع ظهور الصهيونية بنزعتها العنصرية  وأطماعها الاحتلالية الاستيطانية في الوطن العربي .
يضاف إلى ذلك ما هو بارز على المستوى النظري , ويتجلى في أنّ المسلمة الليبرالية القائلة بفكرة التطابق بين الحريات الاقتصادية والحريات السياسية ,أو فكرة الانسجام الطبيعي بين المصالح الفردية والاجتماعية ,لم تصمد أمام التجربة العملية , والتي أثبتت في الواقع نقيض ما بشرت به في عدد من الأمور الأساسية :
أولاً : احتكار فئة معينة من المجتمع للقرار السياسي في الدولة ,نتيجةً لسيطرة أصحاب المصالح الكبرى على الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
ثانياً : اشتغال النظام الاقتصادي كلياً لصالح الفئة الرأسمالية ضد مصالح الأغلبية من المجتمع الذي لم يعد يملك السلطة ولا الموارد الاقتصادية الكافية.
ثالثاً : لقد أدى توسع نطاق الشركات العابرة للقارات والاحتكارات الكبرى في العالم ,وما ارتبط بها من تنافس اقتصادي ,وازدياد دور آليات العولمة الجديدة (صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية) أدى إلى ظهور الليبرالية الجديدة القائمة على إلغاء المكتسبات الاجتماعية في البلدان الصناعية , والعودة إلى سياسة تهميش دور البلدان النامية ,إضافةً إلى فرض شروط وإملاءات النظام العالمي الجديد في الاقتصاد والسياسة والعلاقات الخارجية, وذلك في ظل إعادة إنتاج النزعة الثقافوية التي كانت سائدة في مرحلة الاستعمار الغربي ,والتي تقوم على الزعم القائل بتفوق الثقافة الغربية والقيم المنبثقة منها على غيرها ,كما عكس ذلك كتاب هنتغتون في " صراع الحضارات"
رابعاً : الليبرالية الجديدة ,إذن, ليست مجرد مرحلة انتقالية في حاضر ومستقبل البلدان المتقدمة ,وإنما هي تأسيس جديد للعلاقات الدولية ,وقائمة على نظرية متكاملة في مجال الاقتصاد المعولم , وهي ناجمةٌ على نحوٍ ما, عن الأزمة الاقتصادية التي حدثت في عقد السبعينيات من القرن الماضي ,حيث اعتبر الليبراليون الجدد آنذاك أنّ سبب الأزمة عائدُ إلى تدخل الدولة في تنظيم الحياة الاقتصادية ,وذلك عن طريق المشاركة بقطاع عام واسع, وزيادة الإنفاق, إضافةً إلى تمويل مشاريع الضمانات الصحية والاجتماعية, مما أدى برأيهم إلى إضعاف القدرة على التنافس وسط الاحتكارات العالمية الكبرى.
لذلك فإنّ السياسة الليبرالية الجديدة حالياً, ترتبط أساساً بفكرة تخلي الدولة عن التزاماتها الاجتماعية , والسعي لخصخصة كل القطاعات العامة في التعليم والصحة ومجالات المجتمع المدني عموماً, وإخضاعها لقانون السوق والعرض والطلب, إضافةً إلى أنها ترتبط بالعمل على بناء السوق العالمية للقرية الكونية.
 ومن الطبيعي أن يؤدى هذا النهج والمسار لليبرالية الجديدة إلى حدوث الأزمة المالية العالمية الراهنة, والتي تحولت إلى أزمة اقتصادية طاحنة ,نتيجةً لأسلوب المعالجة الذي انطلق ,وما يزال, من الحفاظ على مصالح الاحتكارات والشركات والطغمة المالية داخل الدول الرأسمالية نفسها ,وعلى مستوى العالم بعيداً عن الاهتمام بالمصالح الحقيقية للمجتمعات المتضررة من الأزمة وتداعياتها السلبية على شعوب العالم .إذ أن المهم لدى الليبرالية الجديدة هو إبقاء الدولة الرأسمالية ,والدول الريعية التابعة لها في موقع الخادم الأمين لمصالح الاحتكارات الكبرى والشركات العابرة للقارات المنفلتة من عقال الضبط الاقتصادي والإنتاجي الحقيقي ,ومن الاهتمام بمصالح المواطنين والدول الناشئة في أي مكان في العالم.
 التحول الديمقراطي : لا يقتصر حل المسألة الديمقراطية في سورية ,والوطن العربي عموماً, على استبدال نظام الحكم وتغيير البنية السياسية للدولة ,وحسب, وإنما يتعداها إلى الأوساط الاجتماعية . فالديمقراطية قضية مجتمعية عامة وشاملة تتناول أنماط التفكير السائدة ,وطبيعة العلاقات الاجتماعية والسياسية,والموقف من الأمراض الاجتماعية الموروثة, وغير ذلك من المسائل التي تحدد موقع المجتمع على سلّم التطور التاريخي .
  لذلك تبدو عملية التحول والانتقال إلى الديمقراطية عملية تاريخية بامتياز. تتطلب الاشتغال على معظم القضايا التي تتصل بحياة الانسان والمجتمع , في السياسة والثقافة والتربية ,وفي الاجتماع والتنمية المستدامة عموماً. إلاّ أنّ المحور الرئيسي في هذه المسألة متعددة الجوانب ,والذي ينبغي التركيز عليه ,يتجلى في ضرورة إحداث التغيير الوطني الديمقراطي وبناء الدولة الحديثة, بوصفها الموقع الأبرز في عملية التحول الديمقراطي , وهذا لا يعني ,ولو للحظة, تأجيل العمل على المحاور الأخرى الاجتماعية منها ,والثقافية والحقوقية, إلى حين إحداث هذ1 التغيير, وإنما تشكّل هذه المحاور بطبيعتها العامل المساعد ,والذي ينبغي المراهنة عليه لتشكيل مواقع الضغط الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لإنجاز مهمة تغيير البنية السياسية الشمولية للدولة القائمة ,والانتقال إلى استكمال المهام الأخرى في عمليةٍ تكاملية شاملة. ومن أبرز آليات التحول الديمقراطي :
  • العمل على توسيع انتشار هيئات ومنظمات المجتمع المدني المستقلة في الأوساط الاجتماعية والثقافية والمهنية ,لتأخذ دورها في الانتقال بالمجتمع إلى مواقع مدنية ديمقراطية متقدمة,  مما يسهم في نشر الوعي الديمقراطي وحل مسألة الاندماج الاجتماعي.
  • الاهتمام الخاص بالجانب الثقافي عبر نشر الوعي السياسي  بتطورات الأحداث في المنطقة والعالم, ونشر ثقافة حقوق الانسان ,وثقافة حقوق المواطنة, والتأكيد على الترابط الوثيق بين الحقوق والواجبات في إطار منظومةٍ متكاملة.
  • إعادة بناء الموقف العام اجتماعياً وسياسياً من سيادة القانون ,مع التأكيد على ضرورة تحديث القوانين بما ينسجم مع عملية التحول الديمقراطي ,وإعادة تحديد العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس ديمقراطية سليمة.
  • إعادة تأهيل النظام التربوي والنظام الأسري في المجتمع بما يضمن تحديث وتطوير التنشئة الاجتماعية والتربوية للأجيال القادمة,وفقاً لمنظومة القيم الديمقراطية.
  • إعادة بناء الموقف الاجتماعي والسياسي من المرأة ,وضمان توسيع مشاركتها الفاعلة في العملية السياسية, إضافة لتحقيق مساواتها التامة وغير المنقوصة بالرجل في ميادين الحياة المختلفة,وفسح المجال أمامها لأداء دورها الطبيعي في بناء الأسرة والحفاظ على تماسكها الداخلي.
  • لا ريب أنّ الأحزاب والقوى السياسية ,وأيضاً منظمات المجتمع المدني ,التي تدعو إلى إحلال الديمقراطية ,مطالبةٌ بتحقيقها في إطارها التنظيمي وفي حياتها الداخلية,من جانب, وفي علاقاتها فيما بينها ومع مختلف القوى والفعاليات الاجتماعية,من جانبٍ آخر. وهي مطالبةٌ بأن تقدم في ذلك نموذجاً يحتذى في الممارسة الديمقراطية ,وفي كيفية الارتقاء بالعلاقات السياسية والمدنية إلى مواقع متقدمة ومغايرة تماماً من علاقات تقليدية ,ومما أرسته الأنظمة الشمولية من تشوهات في المجتمع وفي  الأوساط السياسية المرتبطة بها.
 

 

رابعاً :حول قضية الدولة المدنية والمجتمع المدني
 

يستحق موضوع الدولة والمجتمع المدنيين بحثاً معمقاً من جوانب مختلفة. فهناك أولاً مفهومه النظري الفلسفي. وثانياً تطوره التاريخي. وثالثاً صلته العضوية بموضوعات أخرى كالعقلنة والمدننة والحداثة والديمقراطية والمواطنة والتعددية وفصل السلطات وتداول السلطة وهيئات المجتمع المدني..الخ. وهناك رابعاً الحاجة لتوضيح علاقة هذا الموضوع بقضايا الوطنية، والقومية، والأمة، والهوية، والعقائد الدينية. وفوق هذا جميعاً هناك ضرورة لتوضيح الالتباسات الناشئة عن ظهور مفهوم الدولة المدنية والمجتمع المدني في كنف التجربة الغربية الحديثة وما أحاط بها وأعقبها من هيمنة إمبريالية كانت شعوبنا ضحيتها بامتياز. حيث قابلت النخب السياسية هذه الصدمة بخليط من المواقف يمكن وصفها بالتنافر والاضطراب العميق. لأن بعضها اندفع للتماهي بالتجربة الغربية والانبهار بها انطلاقاً من منجزاتها المدنية متجاهلاً عيوبها بأمل حل مشكلات التخلف والأوضاع الفاسدة. بينما اكتفى البعض الآخر بمقاومة آلتها الحربية والعسكرية بمعزل عن متطلبات الإصلاح الداخلي والدخول للعصر.
 

    ومن المؤسف أن هذا الاضطراب امتد أكثر مما ينبغي مؤدياً لتشتيت قوى الأمة ومنع التفافها حول مرجعية ثقافية وسياسة  تحقق التعاطي الخلاق مع احتياجاتها الداخلية وتحديها الخارجي معاً. وأدى هذا لسلسلة طويلة من الإخفاقات والهزائم التي ترعرعت في كنفها أنظمة ودعوات دكتاتورية لا تنتوي خيراً لمجتمعنا، بل هي تجعل الاضطراب السابق أكثر تعقيداً. لأن بعضها لا يتوانى عن ارتهان شعوبه في سوق الصفقات الدولية. بينما لا يتوانى البعض الآخر عن ابتزاز شعارات التحرر والمقاومة بعيداً عن سكتها وغايتها المرجوة (وهي تحقيق التحرر والوحدة والسيادة) بهدف جعلها مجرد وقود تغذي الصراع الديني والعرقي والثقافي الذي يقطع طريق شعوبنا لنيل استحقاقاتها في الحرية والعدالة والديمقراطية بذريعة أنها أفكار مستوردة وجزء لا يتجزأ من الغزو الإمبريالي ينبغي مقاومته دفاعاً عن الهوية.. والعقيدة.. والخصوصية.. والثوابت الوطنية والقومية!
1-جذور المجتمع والدولة المدنية
 يمكن  القول بدايةً  أنّ المدنية ليست صفة خارجية نضيفها لأطر ناجزة مكتملة (كالمجتمع والدولة والأمة والوطن.. الخ)  بل هي عنصر أساسي لتكوين هذه الأطر نفسها وتأهيلها لاستحقاقاتها. ويجب أن لا ننسى أن هذه الأطر لم تظهر بصورة مكتملة ونهائية مرة واحدة وللأبد. وهي ليست مخلوقات جوهرانية تقيم فوق التاريخ أو خارجه. بل هي تشكيلات وهيئات وتنظيمات اجتماعية/ تاريخية تنمو عبر التطور التاريخي الذي ينقل الجماعة البشرية لطور أعلى من العلاقات يعم جوانب حياتها المختلفة. وربما كانت الثقافة المدنية وعلاقاتها وقواعدها على رأس هذه الجوانب جميعاً لأنها تحدد كيفية النظر لأنفسنا وعالمنا وإدارة شؤوننا ومنازعاتنا على نحو يليق بالاجتماع البشري ويرعى وحدته الوطنية ويخطو به من دائرة الهمجية والإقصاء والوحدانية والاستيلاء إلى فضاء العلاقات المدنية ومستلزماتها في الحرية والتنوع والمساواة وسيادة القانون!
- عليه فإن الصفة المدنية تشكل قاعدة شرطية لأطر الاجتماع البشري الحديث دون استثناء. أي أنها لا تنحصر في إطار الدولة والمجتمع فقط بل تشمل هيئات المجتمع جميعاً بما فيها الحزب والجمعية والمنتدى والمدرسة والنقابة.. الخ. وأهم من هذا أنها قاعدة شرطية لما تحمله هذه الأطر من عقائد وبرامج ودعوات مختلفة (بما فيها فكرة الأمة والدين والقومية والاشتراكية وغيرها) إذ ليس معقولاً أن تحمل هذه الدعوات جميعاً قيماً وعلاقات جديدة تتصف بالعالمية والإنسانية وتتخطى أي تمييز من عرق أو جنس أو دين وسواه، وذلك بواسطة ثقافة أو علاقات تحت مدنية لا تتعدى الملة والطائفة والقبيلة البدائية. والواقع أن هذا الاختلال يفسر وما يزال أوخم العواقب التي تشهدها أوضاعنا العربية. وربما لهذا السبب بادر النبي (ص) لإطلاق دستور مدني ينظم دولة المدينة على قاعدة المواطنة والمساواة بين أبنائها على اختلاف فروقهم الدينية وغير الدينية. كما أكد هذا الاتجاه بدعوات متكررة لترك العرقية والقبلية (لأنها نتن) ومساواة الأبيض والأسود، والعربي والأعجمي، والرجل والمرأة (كأسنان المشط). وبرغم أنه انتقل لجوار ربه وقد أتم رسالته فقد أصر على إبقاء نظام الحكم وكيفية تنظيم الدولة شأناً بشرياً يخص عموم الأمة انطلاقاً من قواعدها المدنية في العدالة والشورى والمساواة وتطور الوعي والمصالح والعلاقات العمومية!
وبعد قرون طويلة ظهرت النهضة الغربية الحديثة لترسخ مفهوم الأمة والقومية والمجتمع (بل والدولة القومية نفسها) على قواعد المواطنة والديمقراطية وحرية الاعتقاد والدولة المدنية الحديثة. كما قامت أحدث الدعوات الاشتراكية لتكرس الانتقال للاشتراكية على قاعدة الديمقراطية والدولة المدنية واستكمالاً لها.. وليس بديلاً عنها أو انقلاباً عليها على الإطلاق!
هذه الومضات وغيرها تؤكد أن أطر الاجتماع المدني، وكذلك عقائده وأيديولوجياته ومخططاته جميعاً، ليست هياكل عظمية أو أصناماً يمكن تسخيرها لأية مآرب أو جماعات أو علاقات تحت مدنية. بل هي مرهونة جميعاً بتحقيق الشرط المدني وإغناء مستلزماته في الحرية والعدالة والمواطنة والمساواة تحت طائلة الخراب. وهذا هو المعنى الحقيقي لحكمة الباري في تكريم الإنسان بالاستقلالية وجعل الحرية شرطاً مسبقاً للإيمان بالذات الإلهية نفسها.!
عليه، لكي تحقق الحرية والمواطنة ومستلزمات الشرط المدني عموماً صدقيتها ونتائجها المرجوة، بحيث لا تكون مجرد ملاذ أو شعار مؤقت لتحقيق منفعة وقتية ثم الانكفاء عنها والانقلاب عليها، نقول إنه يتعين لهذا السبب توضيح نظرتنا للشرط المدني على مستوى مفهومه الفكري والمبدئي، وتفنيد أبرز الالتباسات والمغالطات التي تعترضه من هذه الناحية في واقعنا السياسي والثقافي.
 

2- مغالطة العقيدة والأيديولوجيا
- بناءً عليه نعتقد أن أبرز المغالطات والأخطار التي تتهدد المجتمعات هو إحالة شؤونها لكيان أيديولوجي خارجي يملك صفة التجريد والمرجعية والتعالي فوق الكل الاجتماعي وشرطه المدني والإنساني.
وربما يتم استيحاء هذا الكيان التجريدي من أصول تحت مدنية (كالطائفة والقبيلة والملة والعشيرة والعائلة والمذهب..الخ) أو يتم افتعاله بحجة الدفاع عن حقيقة فوق مدنية (كالعرق أو المشيئة الغيبية أو الرسالة التاريخية..الخ) لكنه سيضع نفسه في هذه الأحوال جميعاً فوق الكل الاجتماعي ويجعله مسخراً لأهدافه وليس العكس. وسوف يشكل أساساً للتمييز والوحدانية وتسويغ العنف والتنكيل الذي يتنافى مع التطور الديمقراطي والعمل المدني السلمي.. كل هذا بوصفه يملك صفة الحقيقة المطلقة والمقدس الذي لا يقبل النقاش. ويملك فوق هذا طغمة الأوصياء ومآربهم وأجنداتهم التي تشكل أساس كل نظام شمولي. سواءً تحت راية الجماعة الإلهية المختارة، أو الحزب القائد وشرعيته الثورية، أو النظام العسكري الدكتاتوري، أو العائلة المقدسة المسؤولة عن الحسب والنسب والأسرار والعادات والتقاليد.. الخ.
وأياً كان مسوغ هذه التجارب جميعاً في مراحل سابقة من التاريخ. فإن أحداً لا يستطيع الزعم أن التطور أبقى أي مبرر لها في أزمنتنا الحاضرة. بالتالي فإن استمرارها حتى اللحظة في مجتمعنا (ناهيك عن إعادة تنشيطها) إنما يشكل مظهراً خطيراً يتعدى مجرد الجمود والتخلف الاجتماعي ويدخل في دائرة الأجندات المدمرة لقطع طريق مجتمعنا إلى الديمقراطية والتطور المدني، مما يقتضي مواجهة هذه المظاهر وفضح أقنعتها ومسوغاتها الأيديولوجية من خلال مفهوم مدني لا يقبل الازدواجية والالتواء!
حيال هذا سوف يسارع بعض أصحاب المآرب السلطوية  لوصم المفهوم المدني بالعدمية الدينية ومعاداة العقائد والأيديولوجيات عموماً. ومع زيف هذا الاتهام فلا ينبغي الاكتفاء بموقف الدفاع السلبي لرد هذا الاعتداء، بل ينبغي تقديم المفهوم المدني بمضمونه الإيجابي الصريح الذي يعتبر الدولة والمجتمع المدنيين مكاناً آمناً لصون الأفكار والقيم والمعتقدات والأديان والأيديولوجيات جميعاً. بل وتوفير الحرية لتقديم أفضل ما لديها، بما في هذا بلوغ سدة السلطة السياسية أو ذروة النشاط الأهلي.. شريطة الحفاظ على طبيعة المجتمع والدولة المدنية الديمقراطية، وعدم استباحتها أو الانقلاب عليها تحت أية ذريعة من أي لون أيديولوجي!
 

3- المجتمع المدني ومغالطة الدولة والسلطة
وتتمثل –اختصاراً -  في مساواة الدولة والسلطة واعتبارهما شيئاً واحداً بهدف تصوير الاحتجاج ضد السلطة الاستبدادية والدعوة لإنهاض المجتمع المدني وهيئاته المختلفة على أنها دعوة للاستقلال عن الدولة نفسها، بل الخروج عليها وإضعاف كيانها وما إلى ذلك من الادعاءات التي تحفل بها منظومة الاستبداد وساحاتها الأمنية والإعلامية والقضائية!
والواقع أن المجتمع المدني وهيئاته جميعا هو جزء لا يتجزأ من الدولة. بل هو ركنها الحصين ومصدر منعتها. لأن الدولة تتألف من الوطن والمجتمع والحكومة. وفي أعرق الدول الديمقراطية يشكل المجتمع المدني كياناً يستقل عن الحكومة وليس الدولة. باعتبار الحكومة مجرد سلطة تنفيذية. وهي واحدة من عناصر الدولة وسلطاتها. فضلاً أنها مقعد مفتوح للتداول الديمقراطي السلمي وليس عرشاً أبدياً أو ملكية عضوداً.
وبما أن احتلال هذا المقعد مرهون بالجماعة السياسية التي تكسب الانتخابات الديمقراطية. لهذا أنشأت النظرية الديمقراطية كيانات دستورية موازية لا تقل شأناً لمنع تطاول هذه الجماعة على الدولة والمجتمع (كالبرلمان والسلطة القضائية والصحافة والنقابات وقوى الأحزاب والمعارضة، وأهم من كل هذا الرأي العام ذاته). وبناءً على كل هذا فإن الدولة الديمقراطية لا تستمد قوتها ومنعتها الحقيقية من تغول سلطتها الحاكمة، بل بالأحرى من تحقيق أقل حد ممكن من قوة هذه السلطة، وأوسع حد ممكن من قوة المجتمع.. وهيئاته.. وسلطاته المدنية والدستورية جميعاً.
بناءً عليه يتبين لنا  أن تغول السلطة الشمولية، أياً كانت أقنعته السياسية والأيديولوجية إنما يشكل أزمنة تخطاها التطور وفقدت آخر براءتها التاريخية. وسواءً ظهر هذا التغوّل على مستوى السلطة الحاكمة أو القوى المناوئة لها أو مستوى الثقافة عموماً، فهو يشكل أساس الانفجارات المدمرة التي تتهدد الأمن الوطني والسلم الأهلي والمجتمع المدني في عالمنا العربي.
.. وفي هذا كله نحن لا نبحث قضية المجتمع المدني والدولة الديمقراطية، ولا قضية الاستبداد والدكتاتورية بوصفها صراع عقائد وحقائق وخصائص قارية أو عرقية هنا وهناك.. بل بوصفها صراعاً بين طرائق صالحة لخير الحياة والمستقبل، وأخرى فاسدة تتجه للضياع والمجهول..
4- دور الشباب في المجتمع المدني
 يعتبر الشباب دينامو الحياة في أي مجتمع، والفاعلون الأساسيون والبناة الحقيقيون له، فكيف الحال في مجتمع مثل سوريا يصنف على أنه فتي حيث يبلغ عدد الناخبين مثلا" في الفئة العمرية (18- 35) سنة أكثر من خمسة ملايين ناخب ولا يفوتنا دور الطلبة الجامعيين في المجتمع السوري والذين يقدر عددهم في الاتحاد الوطني لطلبة سوريا وحده مثلا" بحدود 400 ألف طالب ، والشباب هي الفئة الأكثر تعبيراً عن هموم وشجون أي مجتمع، فهذه الفئة بمقتبل العمر، التي تحتاج إلى التعليم والصحة والسكن والعمل.. وغيره من أساسيات الحياة الكريمة.
وعلى الرغم من أن هذه الفئة هي الفاعل الأساسي في مجتمع يسعى للتغيير إلا أنه من الملاحظ في سوريا بُعدها عن العمل السياسي والثقافي، هذا الغياب الذي تمَّ تكريسه على مدى سنوات طويلة، جعلت من هذه الفئة غائبة أو مغيبة، عن السياسة والثقافة غير أن هذا الغياب وعلى الرغم من إمكانية ملاحظته بشكله المجرد، إلا أنه لم تتم دراسته أو بحث حجمه أو تقدير كم اللامبالاة الذي يحمله   ....   فأي واقع يعتري مشاركة الشباب في الحياة السياسية ؟
إن عزوف الشباب ليس عزوفا عن الحياة السياسية فقط بقدر ما هو عزوف عن ولوج الممارسة الحزبية لاعتبارات متعددة يتداخل فيها المعطى الذاتي مع المعطى الموضوعي .
تمارس الأحزاب السياسية خطابا ازدواجيا تجاه المواطنين بشكل عام وشريحة الشباب بشكل خاص فهي تقر مبدئيا بضرورة إشراكهم وهذا ما نجده في أدبيات وبرامج الأحزاب السياسية حيث تشير على تضمين الشباب المشاركة في صياغة القرارات الحزبية بيد أن ممارستها السياسية تفند هذا التوجه جملة وتفصيلا بحيث نسجل ملاحظة مركزية تسترعي الباحث في الحقل الحزبي ألا وهي تركيز الأحزاب السياسية على اللحظة الانتخابية بكيفية انتهازية .
وعلى اعتبار أن الحزب السياسي هو معترك للرأي والرأي الآخر فإن هناك غائبا أكبر عن الممارسة الحزبية ألا وهو غياب ثقافة الاختلاف وحضور ثقافة الخلاف والتنافر بين مواقف الشباب وقيادة الحزب ؛ فالأمر لا يعتبر إيجابي على التنظيم الحزبي بقدر ما ينظر إليه كتمرد والواقع عكس ذلك؛ ففي المجتمعات الديمقراطية يشكل التعايش بين التوجهات المختلفة مكسبا للأمة جمعاء وليس للحزب السياسي فقط .

إن بناء مجتمع الاختلاف لا ينبغي أن نحمل مسؤوليته فقط للأحزاب السياسية بقدر ما هو عمل جماعي ينطلق من المسجد ؛ المدرسة ؛ الجامعة...مرورا بوسائل الإعلام ...وصولا إلى الأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني.
وإلى جانب غياب الديمقراطية داخل التنظيمات الحزبية توجد إشكالية التسويق السياسي بحيث تنهج الأحزاب السياسية أساليب متجاوزة تاريخيا وإيديولوجيا .. فيما أمسى عالم السياسة اليوم تحكمه ضوابط فن التسويق السياسي وهو الأمر الغائب عن الأحزاب السياسية عندنا التي تتذرع بغياب الإمكانات المادية .وإن تعبئة الشباب في المشاركة السياسية لا ينبغي أن تخضع لاعتبارات ظرفية بل يتطلب الأمر وضع إستراتيجية شمولية تأخذ بعين الاعتبار اهتمامات الشباب وذلك ببلورة مشاريع واقعية مضبوطة على مستوى الزمان.وإن هذه الممارسات السياسوية ستفضي إلى تكريس أزمة آفة العزوف الممنهج للشباب ما لم يفتح المجال بشكل فعلي للانخراط الواعي للشباب .
وتفترض الممارسة السياسية بأشكالها ومستوياتها الموضوعية من التشكيلات السياسية طرح مشاريعها السياسية و مهماتها الموضوعية ذات البعد الواقعي والملموس لكونها فقط تمثل في اللحظة الراهنة مهمات مرحلية يفترض أن تكون مخرجاً من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المستعصية ، وفق مشروع استراتيجي بعيداً عن الدوغمائية والتعصب الإيديولوجي الذي لا يعبر عن الواقع وقضاياه الحقيقية بقدر ما يعبر عن حالات عصبوية تعيد إنتاج أشكال الممارسة السياسية المنغلقة والمتمحورة حول ذاتها مفترضة في ذاتها الحقيقية المطلقة التي تمثل مركز الحركة السياسية التي يجب أن تدور في فلكها بقية الأطراف .
ولا ريب أنّ انحسار النشاط السياسي للنخب السياسية المعارضة في أوساط الشباب وعدم قدرة المعارضة على اختراق الأوساط المدينية قد يكون أحد أسبابه الرئيسية التعارض بين البرنامج السياسي لقوى المعارضة نتيجة سيطرة الوعي الديني الإسلامي والذي يشكل حتى اللحظة المكون الأساسي لآليات وأشكال التفكير الاجتماعي بشكل عام،ويرتبط هذا الجانب مع الخوف المتأصل من الممارسة السياسية إضافة إلى الإشكاليات التي عانت منها المعارضة السياسية. إن هذا أبعد المعارضة موضوعياً عن عمقها الأساسي ذلك لتطور المدينة المتباين عن الأرياف،وبحكم كثافتها السكانية ، ولكونها تشكل نقطة تمركز الشباب التي تُمثل الشريحة الأكبر على مستوى التعداد السكاني،كما أن الشباب هم الخزان الأساسي لأي نشاط سياسي،وهم من يقع على عاتقهم التغيير الاجتماعي لأنهم يمثلون المستقبل.
وهنا يجب أن لا نتجاهل بأن المدينة بأجوائها المفتوحة والمنفتحة إضافة إلى ثقلها الاقتصادي والسياسي تعكس أشكالاً ومستويات من التفكير السياسي أنضج مما ينتجه العقل الريفي المحصور والمغلق بأبعاد ومستويات محددة ، وهذا يفترض منا التأكيد على أن الممارسة السياسية المدينية هي من يُفترض أن تقود قاطرة العمل السياسية .
ويجب التأكيد هنا بأن غياب الشريحة الشبابية عن الممارسة السياسية إضافة إلى تغييب المجتمع بمعظم فئاته لا يتحمل مسؤوليتها المباشرة التشكيلات والأحزاب السياسية المعارضة وإنما وبدرجةٍ أولى ممارسات الأنظمة الشمولية التي تؤدي إلى احتجاز وتغييب السياسة عن المجتمع ,وبخاصة في أوساط الشباب الذين ترى هذه الأنظمة فيهم مصدر خطر على استمرار وجودها في موقع الحكم والتحكم بالدولة والمجتمع
إن غياب الشباب عن العمل السياسي أدى موضوعياً إلى أبقاء الممارسة السياسية في أوساط كبار العمر، مما يقود بشكل فعلي إلى أزمة انعدام التواصل مع الشباب إضافة إلى انعدام القدرة على تجدد و تجديد الروح النابضة للعمل السياسي ، إضافة إلى إمكانية جفاف القاع الاجتماعي من الحراك السياسي مستقبلاً، وقد أدى الابتعاد القسري لقوى المعارضة عن الأوساط المدينية ، إلى جملة من الإشكالات التي ما زالت المعارضة تعاني منها .
5- دور المرأة في المجتمع المدني
ما تزال المرأة في وطننا العربي محرومة من المساواة في الفرص في شكل تمييزي يمكن اعتباره عائقاً أمام التقدم والازدهار للمجتمعات العربية بمجملها، فضلاً عن حرمانها فرص تطوير إمكاناتها على قدم المساواة مع الرجال ومواجهتها في الحياة العامة عوامل ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية تعوق إمكان وصولها المتساوي إلى التعليم والصحة وفرص العمل وحقوق المواطنة

 وعلى صعيد المشاركة السياسية، يبدو أن تمكين المرأة في هذا المجال الحيوي  لا يزال شكلياً إلى حد بعيد، خصوصاً أن تعيين العدد القليل من النساء في مناصب رفيعة يتم من دون أن يمتلكن سلطة حقيقية مؤثرة، كما يتم تعيين النساء في مناصب وزارية غير مؤثرة
وفي شأن التمييز والمساواة بين الجنسين، يبدو  أن العديد من البلدان العربية حققت تقدماً مشهوداً نحو المساواة بين الجنسين ضمن القوانين  وذلك لأن الرأي العام العربي يدعم بقوة الحقوق المتساوية للمرأة، لكن الكثير من التشريعات الوطنية في البلدان العربية لا تزال تنطوي على التمييز.
  
وفي واقع الحال تواجه النساء العربيات تمييزا بين الجنسين في قوانين الأحوال الشخصية أو الأسرة .كما تواجه تمييزا لناحية انتقاص حقوقها المواطنية وعدم اعتبارها مواطنة كالرجال العرب في جميع قوانين الجنسية العربية وعلاوة على عدم وجود قوانين تحمي النساء من العنف المنزلي أو التحرش في أماكن العمل وتعاقب مرتكبيه تشجع بعض قوانين العقوبات العربية على ارتكاب العنف ضد النساء وتعفي مرتكبي ما يسمى"جرائم شرف " من العقاب .
المرأة ودورها الاجتماعي والسياسي
أخيرا نقول يستحيل فصل الشأن الخاص عن العام في قضايا المرأة لأن هذا يشكل ازدواجية قانونية وواقعية فكيف تعطي الدساتير والتشريعات العربية المتعلقة بالحقوق العامة والعمل والتعليم وممارسة المهن والقوانين  المدنية المرأة الأهلية الكاملة وفعليا تمارس  كافة المهن والأعمال وتبرم العقود وتدير الممتلكات والمشاريع والشركات  الخاصة بها وتتعامل مع المصارف وتتمكن من الحصول على القروض بدون أية شروط أو معوقات , وتأتي قوانين خاصة بعلاقاتها الأسرية لتعتبرها ناقصة الأهلية؟ وكيف السبيل لتحقيق المساواة بين المرأة والرجل في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليم والعمل وحقوق المرأة مقيدة داخل الأسرة؟. فرغم ازدياد قيام المرأة بأد
 



 صفحة للطباعة صفحة للطباعة  أرسل هذا المقال لصديق أرسل هذا المقال لصديق

 


المقالات المنشورة على الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الحزب وهي تعبر عن رأي كاتبها والدعوة مفتوحة للحوار الديمقراطي على طريق بناء الوطن والمواطن ......


جميع الحقوق محفوظة لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي في سورية
2004-2010


انشاء الصفحة: 0.27 ثانية