|
|
الصناعة الوطنية تستحق الدعم: متى دور الزراعة..؟ - بقلم: بشار المنيّر
الأربعاء 25 فبراير 2009 |
|
خمسة وعشرون قراراً، وخمسة التزامات، كانت حصيلة اجتماع مجلس الوزراء بتاريخ 3/2/2009 في سياق سعيه لإنقاذ الصناعة السورية (قاطرة التنمية) . لقد عاشت الصناعة السورية سنوات طويلة في سوقها الداخلي، مشمولة بحماية الدولة من خطر الخارج، وتمتعت بأفضليات أهمها: 1 - استقرار سياسي وأمني خاصة بعد عام 1970. 2 - سياسة الدولة في المجال الاقتصادي المرتكزة على منع الاستيراد لقائمة طويلة من منتجات الصناعة التحويلية، والكهربائية، وصناعة الأدوية، والتجهيزات الميكانيكية، والمحركات، والسلع الكمالية والمصنوعات النسيجية والغذائية. فانعدمت المنافسة، وبات السوق السوري حصرياً للمصنوعات السورية بغض النظر عن مستوى تلك الصناعات من حيث المواصفات الفنية، أو السعر . 3 - طاقة رخيصة مما ساهم في تخفيض تكاليف الإنتاج . 4 - اليد العاملة الرخيصة مقارنة مع اليد العاملة في الدول الشقيقة المجاورة . 5 - توفر المواد الأولية اللازمة، وخاصة للصناعات التحويلية، من الإنتاج الزراعي كالحبوب، والقطن، والمحاصيل النقدية الأخرى .
ومنذ تسعينيات القرن الماضي، ودَّعت الصناعة السورية (قاطرة التنمية) بشقيها العام والخاص مبدأ الحماية الذي تمتعت به عشرات السنين، كما ودَّعت الأسواق العالمية الحواجز والعوائق السياسية والجمركية، وأصبح الاقتصاد الحر سيد الموقف، وبات التدخل في حرية الأسواق (حسب الليبرالية الجديدة) شر مطلق، وراحت الرساميل تجوب ما وراء المحيطات بحثاً عن فرصة هنا، وتدخل هناك. وتحول العالم إلى ساحة مفتوحة ترتفع فيه أسهم.. وتتراجع أخرى، ساحة يقف فيها طويلاً حيتان كبار.. ويتلاشى داخلَها الصغار، ومع النهج الاقتصادي الجديد القائم على اقتصاد السوق في بداية عام 2000، بدأت مرحلة جديدة في حياة الصناعة السورية، إذ أدت مجموعة القوانين التي صدرت تدعيماً للنهج الجديد إلى زيادة حصة القطاع الخاص في الناتج الصافي للصناعة السورية. في عام 2002 بلغ صافي الناتج المحلي في الصناعة التحويلية بتكلفة عناصر الإنتاج 71 ملياراً و 965 مليون ليرة سورية، وبلغت حصة القطاع العام 7ر41 %، أما القطاع الخاص فبلغت حصته 3ر58 %. أما في عام 2007 فقد بلغ صافي الناتج المحلي في الصناعة التحويلية 137 ملياراً و681 مليون ليرة في عام2007، وكانت مساهمة القطاع العام 4ر13 % والقطاع الخاص 6ر86 %، وهذا الناتج يساهم بنسبة 1ر11 % من الناتج المحلي الصافي لعام 2007 والبالغ 1239 ملياراً و42 مليون ليرة سورية، واللافت في هذه الأرقام إضافة إلى انخفاض مساهمة الصناعة التحويلية في مجمل الناتج المحلي الإجمالي، هو تراجع مساهمة القطاع العام، والمسألة هنا لا تتعلق بنشاط كلا القطاعين بقدر ما تتعلق بسياسة الإهمال التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة منذ عام 2000 تجاه القطاع العام بمجمله، ومنه القطاع العام الصناعي. لذلك يعدّ التأخير في معالجة الأزمات التي يعانيها هذا القطاع الصناعي الكبير، عرقلة واضحة لأي إصلاح يراد به تطوير تنافسية الصناعة السورية وتحسينها وتجاهلاً لجوهر عملية الإصلاح وهو التعددية الاقتصادية (راجع المجموعة الإحصائية 2008). لقد تعرضت الصناعة الوطنية إلى مطبين خطيرين أديا إلى قرع ناقوس الخطر: أولهما السيل الهائل من السلع المتدفقة إلى أسواقنا بعد وضع اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى موضع التنفيذ في بداية عام 2005، وعدم قدرتها بوضعها الحالي، وتواضع قدرتها التنافسية على الوقوف بوجه السلع العربية المسلحة بدعم حكوماتها، وبشهادات منشأ مشكوك فيها. والثاني هو الأضرار التي لحقت بالاقتصاد السوري، والصناعة السورية على وجه الخصوص، بسبب انعكاسات الأزمة الاقتصادية العالمية على بلادنا. فكان لابد من تدخل الحكومة لحماية الصناعة ودعمها حفاظاً على القدرة الاقتصادية للبلاد. القرارات استهدفت دعم الصناعة الوطنية بوسائل متعددة تنوعت بين تخفيض أسعار الفيول والطاقة الكهربائية والرسوم الجمركية على مستلزمات الإنتاج الصناعي، وتسهيل إقراض الصناعيين وإعفائهم من الفوائد والغرامات المترتبة على الديون والضرائب، ومعالجة المنافسة غير المتكافئة التي تواجهها الصناعة في الأسواق المحلية والخارجية. وندرج فيما يلي أهم هذه القرارات: 1- تحديد سعر بيع الطن من مادة الفيول بـمبلغ 7500 ليرة سورية. 2 - تحديد سعر بيع الطن من مادة الأسمنت الأسود بمبلغ 6000 ليرة سورية. 3 - إيقاف منح إجازات الاستيراد الخاصة باستيراد مادة الأسمنت الأسود ابتداءً من تاريخه. 4 - إعفاء قروض الصناعيين المتعثرة والضرائب المتراكمة من الغرامات وفوائد التأخير. 5 - إعداد دراسة حول تطوير الحسم الضريبي الديناميكي ليشمل التصدير واستخدام المواد الأولية المحلية. 6 - الطلب إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل رفع مشروعي قانوني العمل والتأمينات الاجتماعية الجديدين بصيغتهما النهائية إلى مجلس الوزراء. 7 - وضع حد أدنى لأسعار الألبسة المستوردة. 8 - تعديل سعر الكيلو وات الساعي للاستجرار الكهربائي للأغراض الصناعية والحرفية، وإعطاء الأولية في تركيب العدادات الإلكترونية اللازمة لقطاع الصناعات النسيجية. 9 - الاتفاق مع شركات مراقبة دولية متخصصة بالتحقق من مطابقة البضائع المستوردة للمواصفات القياسية السورية، وشهادة المنشأ، والأسعار، وذلك خلال مدة شهرين من تاريخه. 10 - تسهيل عملية الإقراض من البنوك إلى القطاع الصناعي الوطني بفوائد وتسهيلات تنافسية. وبالمقابل فإن مجلس الوزراء طالب الصناعيين السوريين الالتزام بما يلي: 1 - عرض منتجاتهم في الأسواق المحلية بالأسعار الواقعية، والالتزام بأنظمة بيانات التكاليف وتطبيق نظام الفوترة على مبيعاتهم الداخلية، والتقيد بالمواصفات القياسية السورية. 2 - الالتزام بتسجيل عمالهم في مؤسسة التأمينات الاجتماعية. 3 - الالتزام بدفع المستحقات الضريبية والجمركية المتوجبة عليهم. 4 - التوفير في استخدام مصادر الطاقة الكهربائية والمشتقات النفطية. 5 - تطبيق معايير المحاسبة الدولية في الأنظمة المحاسبية المطبقة لديهم. إن تدخل الحكومة الفاعل في دعم القطاع الصناعي وحمايته، والدخول إلى قلب عملية الإنتاج الصناعي لتخفيض تكاليفه، وتحسين قدرته التنافسية، يفتح الباب واسعاً لإجراء فزعة أخرى نحو القطاع العام الصناعي بهدف إصلاحه، وتعزيز قدراته، ليساهم جنباً إلى جنب مع القطاع الخاص في قيادة العملية الاقتصادية في البلاد، وفزعة ثالثة باتجاه دعم الزراعة (ضامنة أمننا الغذائي) التي انخفضت مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي من 21% عام 2006 إلى 17% في عام 2007، والتي لا تزال تنتظر تدخل الدولة لحل مجموعة من المشاكل والعوائق التي منعتها، ولا تزال تمنعها من أداء دورها في مسيرة البلاد التنموية، خاصة أن المكتب التنفيذي للاتحاد العام للفلاحين قرع ناقوس الخطر الذي يتهدد الزراعة والأمن الغذائي للبلاد. أخيراً، نتساءل: هل يعني إيراد طلب مجلس الوزراء من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل رفع مشروعي قانوني العمل والتأمينات الاجتماعية بصيغتهما النهائية إلى المجلس، ضمن قراراته لدعم الصناعيين، هل يعني ذلك الموافقة على تلبية طلبهم بتثبيت مبدأ(العقد شريعة المتعاقدين)؟ وتخفيض حصة رب العمل في التأمينات الاجتماعية في القانونين المذكورين رغم الاعتراضات العديدة على هذين التعديلين، خاصة من قبل الاتحاد العام لنقابات العمال..؟ إن المشروعين المذكورين بحاجة إلى توافق جميع الأطراف، لذلك نأمل من الحكومة أخذ مطالب الطبقة العاملة بالحسبان عند مناقشتهما، فالعمال السوريون يستحقون الدعم أيضاً.
بشار المنيّر
النور- 376 (11/2/2009)
|
|
|
|
|
|
صفحة للطباعة أرسل هذا المقال لصديق
|
| |
|
|