القائمة الرئيسية

· الصفحة الأولى
· أرسل مقالاً
· أرسل الموقع لصديق
· أرسل تعليق
· أرشيف الأشهر السابقة
· أرشيف المقالات
· المكتبة الالكترونية
· بحث
· دليل المواقع
· جميع الأقسام
· إستفتاءات
· قائمـــة المصنفات
· قسم الأعلانات
 

البحث



 

المكتبــة الالكترونية


 

معـــرض الصـــــــــور

 معرض الصور لموقع حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي

 

منتدى الموقع

 

مكتبة الموقع

 
 

الاقتصاد الريعي والنظام السياسي والفساد في الوطن العربي ( 3 / 6 ) - زياد حافظ 

الجمعة 07 نوفمبر 2008

 

القسم الثاني: أسس البنية الاقتصادية في الدول العربية
في هذا القسم سأبين أسس بنية الاقتصاد العربي بشكل عام مع التركيز على مساهمة الاقتصاد الريعي في تكوين الثروة. لكن قبل ذلك سأشرح البعد التاريخي لتكوين البنية الاقتصادية التي هي مصدر الثروة.


أ‌- أساس الثروة عند ابن خلدون

أول من تحدث بشكل مسهب عن الاقتصاد أو بالأحرى عن النشاطات الاقتصادية في كتب التراث العربي الإسلامي هو ابن خلدون. فقد جاء في الفصل الخامس من الكتاب الأول ما يوازي ثلاثة وثلاثين فقرة (يسميها "فصل") تعدادا للصناعات والنشاطات الاقتصادية. فعنوان الفصل برمته معبّر وهو: "في المعاش ووجوبه من الكسب والصنائع وما يعرض في ذلك كلّه من الأحوال (وفيه مسائل)". وابن خلدون يميّز بين النشاطات التي تؤدي إلى "معاش طبيعي" بينما "ابتغاء الأموال من الدفائن والكنوز ليس بمعاش طبيعي" . وكذلك الأمر بالنسبة للخدمة المحصور وفقا لمفهومه ب"الجندي والشرطي والكاتب" . فمسؤولية الحاكم هي اقتطاع من بيت المال ما يلزم ل"يكفل أرزاقهم" عندما يقومون بالمهام المكلّفة بها.
فالمعاش الطبيعي مقرون بمجهود. "فالكسب الذي يستفيده البشر إنما هو قيم أعمالهم. ولو قَدّر أحد عطل عن العمل جملة لكان فاقد الكسب بالكلية. وعلى قدر عمله وشرفه بني الأعمال وحاجة الناس إليه يكون قدر قيمته، وعلى نسبة ذلك نمو كسبه أو نقصانه" . ولكن المعاش الطبيعي المقرون بمجهود لا يعطي الجاه وبالتالي تصبح الفلاحة (أي الزراعة عند ابن خلدون) مقرونة ب"المذّلة" ويستشهد بمقولة بعض الأنصار "ما دخلت هذه دار قوم إلاّ دخله الذلّ" . من هنا نرى أن العلاقة بين المجهود والكسب يتنافى مع الجاه المقرون مع كثرة المال.
أما التجارة فهي "محاولة بتنمية المال بشراء السلع بالرخص وبيعها بالغلاء، أيام كانت السلعة من دقيق أو زرع أو حيوان أو قماش. وذلك القدر يسمّى ربحا" . وعلى ما يبدو لم تكن التجارة ذا مرتبة عالية عند ابن خلدون فهي"نازلة عن خلق الرؤساء وبعيدة من المروءة" . وبالتالي كانت الصنائع أرفع من التجارة فهي "تكمل بكمال العمران الحضري وكثرته" ، فرسوخها يكون برسوخ الحضارة. ويعود ذلك للتكرار وطول الأمد. نرى هنا أن ابن خلدون أعطى قيمة أساسية وأخلاقية للإقتصاد الإنتاجي كما سبق بعدة قرون نظرية آدم سميث المتعلقة بتطور السوق عبر تقسيم العمل الذي لا يكون إلاّ بالتخصص (ضرورة المعلم في الصنائع) والتكرار. وربما هذه سابقة أيضا لنظرية الإنتاج بالسلسه التي ابتكرها هنري فورد في مطلع القرن العشرين في صناعة السيارات.
والطريف في بحث ابن خلدون أن "العرب أبعد الناس عن الصنائع" بينما "أمم النصرانية عدوة البحر الرومي أقوم الناس عليها" ذلك لأنهم "أعرق في العمران الحضري وأبعد عن البدووعمرانه" . ويضمّ إلى تلك القافلة بلاد العجم والصين والهند وأرض الترك وأمم نصرانية استكثرت فيها الصنائع بينما عجم المغرب من البربر "مثل العرب" في عدم اتقانها!
أما "أمهات الصنائع" فهي تقسّم إلى الضروريات كالفلاحة والبناء والنّجارة والخياطة والحياكة، وإلى "الشريفة بالموضع" كالتوليد والكتابة والوراقة والغناء والطب. نرى أن ابن خلدون عدّد معظم النشاطات الاقتصادية سواء كانت في الصناعة والخدمات (طب وتوليد) والزراعة والبناء التي كانت معروفة في ذلك الحين والتي ما زالت قائمة حتى الآن. وما يستوقف الانتباه عند قراءة ابن خلدون تشديده على الشق المعنوي المكتسب في الصناعة، فهي "تكسب صاحبها عقلا وخصوصا الكتابة والحساب" أي أن العلم والمعرفة مقرونان بالصناعة. غير أن الصناعة لا تقود بالضرورة إلى الثروة. فهي (أي الثروة) تتكوّن بمجهود الأخرين ولذلك نرى الملوك والسلاطين يستولون على إنتاج الأخرين لتكوين الثروة.
أردت في هذه الفقرة أن أدّل على بعض الأمور التي تصبّ في سياق البحث المقدّم.
أول الملاحظات هي أن النشاطات الاقتصادية في تاريخ المجتمعات العربية دارت أولا حول التجارة والزراعة (أو الفلاحة كما يقول ابن خلدون) ومن بعدها تنوعت مع التطوّر الحضاري أو العمراني.
الملاحظة الثانية هي أن الكسب من الزراعة والصناعة لن يكون كبيرا بسبب المشاقة والمجهود ولأنه مقرون بمجهود فلا يهتم به الأعيان أو أصحاب النفوذ. وبالتالي تصبح الثروة من حصة الأقلية النافذة اي تتبيّن العلاقة العضوية بين الريع أو الغنيمة كمصدر للثروة والفئوية.

الملاحظة الثالثة أن هناك ميل للكسب دون مجهود إذا أمكن وذلك عبر الإستيلاء على مجهود الآخر أي الغنيمة. فالمجهود بالتراث ينظر إليه نظرة سلبية وهذا ما أكّده مؤخرا المؤرخ أحمد هنّي كما سأعرضه في الفقرة التالية.
ب‌- ثقافة الغنيمة في تكوين الثروة في الوطن العربي
التعريف المألوف للثروة هو أنه ناتج عن تراكم رأسمال سواء عبر الإنتاج وأو عبر استغلال الموارد/الثروات الطبيعة وتحويلها إلى سلع وأو خدمات تأتي بالفائدة والربح للمبادر في الإنتاج. لكن هناك أيضا مصدر آخر لتكوين الثروة وهو اقتناص مجهود الآخر كما كان سائدا في الجزيرة العربية قبل وبعد ظهور الإسلام. وهذا ما كان يعرف بالغنائم والأنفال والسبي. ولا بد من توضيح شيء مهم. فالغنيمة مقرونة في ذهن البعض بالعمل العدواني للإستيلاء على ثروة الآخر أو مجهوده. ولكن ليس من الضروري أن يتمّ ذلك بالعنف بل قد يحصل في معظم الأحيان بالتراضي! هذا هي التجارة التي تؤمن الربح لمن يستطيع أن يستولي على مجهود الآخر في عملية التبادل. فالتاجر وأو الوسيط التجاري يستولي على مجهود الآخر سواء كان مشتريا أو بائعا. فالفرق بين الكلفة وسعر المبيع هو فائض يقتنصه التاجر سواء كان شخصا أو مؤسسة.
في هذا السياق استذكر أمثال من خلال تجربتي المهنية في تمويل مشاريع صناعية. فمثلا صناعة الملبوسات تشير بوضوح أن كلفة إنتاج الملبوسات أقل بكثير من سعر المبيع. قد ساهمت في تمويل مشاريع صناعية لصناعة القمصان والبنطلونات حيث كانت كلفة الإنتاج للوحدة (بنطلون في هذه الحال) دولارا وربع دولار بينما كان سعر مبيع ذلك البنطلون في الأسواق التجارية في باريس أو لندن أو نيويورك يتراوح بين الخمسين والمائة دولار. صاحب المعمل يبيع البنطلون بقيمة كلفة الإنتاج وعلاوة بسيطة تشكل ربحه (الذي تؤمن استمراره في الإنتاج وهذا ما يّعرّف بالربح الطبيعي (normal profits) في النظرية الاقتصادية)، بينما الموزع أو الوسيط التجاري يجني الأرباح بعد إضافة كلفة النقل والتوزيع التي لا تتجاوز الدولارين للوحدة. فالفارق يشكل إما ريعا أو استيلاء على فائض من المستهلك والدليل على ذلك موسم التخفيضات التي تُحرق فيها الأسعار مع تأمين رغم كل ذلك الربح للبائع! وهذا الفارق يعود إلى السيطرة التي يتمتّع بها التاجر وأو الوسيط التجاري في العلاقة بين مركز الإنتاج والمستهلك الأخير. فالريع وأو الغنيمة مقرونان بالسيطرة أو السيادة على شبكة التوزيع.
هذه هي ثقافة الريع والغنيمة بشكلها السلمي المبسّط. أما شكلها العدواني فما زال موجودا في التعاطي الاقتصادي الحديث حتى في الدول الصناعية. فعمليات "الغزو" (corporate raids) التي تقوم بها الشركات العصرية في الاقتصادات المتقدمة على الشركات المنافسة لها التي تملك شيئا مهما للشركة الغازية (براءات اختراع، وسائل إنتاج، حصة في الأسواق، مواقع إستراتيجية، أصول غير مستغلّة أو مستعملة بشكل واف إلخ.) ليست إلا تعبيرا عن ثقافة الغنيمة. وهذه الثقافة ليست حكرا على فئة من البشر بل موجودة عند الجميع. ف"الفتوحات" الاستعمارية في القرون الماضية والسيطرة على موارد الدول المستعمرة ليست إلا وجها من وجوه الغنيمة. غير أن الغنيمة لم تكن عند الغربيين المرتكز الأساسي لتكوين الثروة. فالمجهود رافق الغنيمة بل استفاد الغزاة أو المستعمرون من الموارد الطبيعية الرخيصة التي اغتنموها لبناء اقتصادهم وإن كانوا ومازالوا يتنكرون لدور الغنيمة في بناء اقتصادهم. وأشير بذلك إلى الإمبراطورية الرومانية والإسلامية والإسبانية ومن بعدها الإمبراطورية البريطانية والفرنسية والأميركية في عصرنا هذا. أما الإمبراطورية الإسبانية فلم تسطع الإنتقال من الإستيلاء على الغنائم ( في هذه الحال الذهب) في مستعمراتها في القارة الجديدة إلى مواقع جديدة لإنتاج الثروة كالتصنيع وبالتالي انقرضت بسرعة فائقة!
ليس في الوطن العربي من دراسة معمقة لثقافة الغنيمة باستثناء ما قدّمه الباحث والأستاذ الجامعي أحمد هنّي. لقد أشرت سابقا إلى مؤلفه الصغير ولكن العميق في تحليل الإرث الاقتصادي والثقافة الناتجة عن التحوّلات في الرأسمالية وتلازمها مع الظاهرة الإسلامية السياسية. هذا هو عنوان مؤلفه القيّم باللغة الفرنسية والجدير بالترجمة إلى العربية. أعي أن هناك من سيعترض عليه ولكنني أعتقد أنه فتح بابا جديدا من البحث في الاقتصاد والتاريخ والاجتماع والسياسة في آن واحد.
إن خلاصة مساهمة أحمد هنّي هي الآتية: إن الحركة الإسلامية السياسية في الربع الأخير من القرن الماضي وحتى في مطلع القرن الواحد والعشرين أصبحت الناطقة بإسم المظلومين في السياسة والاقتصاد. فالإسلام السياسي لا يهاجم الملكية الخاصة ولا السلطة الاقتصادية الناتجة عنها بل يهاجم السيادة والسلطة السياسية التي تمثلها. فالأصولية الإسلامية وفقا لأحمد هنّي لا تطالب بملكية الأمصار بل بإعادة توزيع الثروة دون الاكتراث إلى الحدود. وبالتالي تصطدم بالسلطات القائمة في دار الإسلام وخاصة في الدول النفطية. حتى الآن لم يأت هنّي بجديد. فمساهمته تكمن في تحليل الدوافع التي تحرّك الإسلام السياسي غير أن الإضافة الأساسية لبحثه هي- وهنا بيت القصيد أي- في تبيان العلاقة بين النظام السياسي وتوزيع الثروة. ألتقي مع أحمد هنّي في تفكيكه للعلاقة بين الريع وخاصة الريع النفطي - المصدر الأساسي للثروة في عدد من الأقطار- وتلازمه مع الوضع الإجتماعي للأفراد. وهذه الدينامية مدرجة في إطار التحوّلات القائمة في منظومة الرأسمالية التي يسيطر عليها الريع المالي. فبعد الرأسمالية الصناعية هناك الرأسمالية الريعية التي تمجّد كل من يوّلد الدخل بغض النظر عن مصدره بدلا من تثمين العمل المنتج.
فوفقا لهذه الثقافة تولد الثروة بالتبادل أي التجارة أو بالإستيلاء على مجهود الآخر وليس بالمجهود الشخصي . فالعلاقة مع الطبيعة (النفط مثلا) ليست منتجة. فالآخر هو الذي يقوم بتحويل تلك العلاقة. وطبيعة الإنتاج في هذا السياق تصبح متناقضة مع الطبيعة. فالمدينة التى أنشئت غير معنية بتعديل النظام الطبيعي والمادي الذي يعتبر كاملا أو إلهيا بل هي معنية بإدارة الأمور الإنسانية الداخلية وفقا للشريعة . الأولوية تكمن في حق الاستعمال والإنتفاع وليس في تكوين المعرفة عن السلعة. فعلى سبيل المثال ليس المهم تكوين معرفة علمية بحتة عن شجرة الزيتون أو حتى كيف يمكن زيادة إنتاج الزيتون والزيت بل معرفة تجلّي النظام الطبيعي المعتبر كاملا والذي لا يجب مسّه أو تغييره. إن ما يهم هو معرفة إذا كان الإستيلاء على الطبيعة – أي الزيتون – مفيدا للإنسان ولنظامه .
فالنظام الأساسي للمدينة العربية الإسلامية مبني على مبدئين واضحين: الأول هو الإستيلاء على مجهود الآخر عبر التبادل التجاري أو عبر غزو من هم خارج المدينة – أي الآخر- والثاني المساواة بين المواطنين داخل المدينة. وبالتالي ليس مهما البحث في شرعية الثراء التجاري بل مساهمة ذلك الثراء في تثبيت النظام في المدينة. فكافة النشاطات تصبح مشروعة وليس هناك من تناقض بين الثراء والإنتماء إلى المدينة.
ويمكن الإشارة أن انفصام العلاقة بين كيفية الإنتاج وطريقة الاستهلاك أصبحت مترسخة في سلوك البشر. فالمستهلك للسلعة غير مهتم كيف تنتج السلعة وأو ما يرافقها من الآم. فعلى سبيل المثال إن كل من يشتري حذاء من ماركة "نيك" لا ينظر ولا يريد أن يعرف ولا يهتم بالاستغلال البشع للعاملين في المصانع الفيتنامية التي تنتج تلك الأحذية وتوظيف الأطفال بأعمال شاقة. فالفضائح التي رافقت ذلك الإنتاج لم تغيّر في سلوك الصانع المنتج ولم تغيّر في سلوك المستهلك. هذا ما يفسّر واقع دول جنوب البحر المتوسط وعدم الإهتمام بالإنتاج للثروة بل بتراكمها عبر إما الريع وأو الإستيلاء على مجهود الآخر . هذا ما أشار إليه قبل ستة مائة سنة ابن خلدون . ومن هنا يمكن الخلاص أن العرب أعطوا الأولوية لتنمية ثقافة توزيع الثروة أكثر من الاهتمام بإنتاجها وبالتالي أصبحت ثقفاة الريع وأو الغنيمة (أي اقتناص مجهود الآخر) الثقاقة السائدة في عقول أصحاب القرار والرأي.
ج- بنية الاقتصاد العربي الحديث
تفيد المؤشرات الاقتصادية المتوفرة أن اقتصاديات الدول العربية ترتكز بشكل أساسي في بنيتها على مصادر ريعية لثروتها. ويتجلّى ذلك من مؤشرات الدخل القومي وهيكليته ومن بيانات الموازنات العامة لهذه الدول.
1- هيكلية الناتج القومي
أما على صعيد هيكلية أو بنية الاقتصاد العربي فتفيد البيانات الإحصائية أن مجمل الناتج المحلّي للدول العربية عام 2005 يزيد عن ألف مليار دولار (للتفاصيل راجع الملاحق المرفقة في آخر الدراسة). ويشكل القطاع الإنتاجي المكوّن من الزراعة والصناعات الإستخراجية (نفظ وغاز ومعادن) والبناء والطاقة حوالي 61.6 بالمائة من المجموع الإجمالي بينما قطاع الخدمات الخاصة كخدمات الإستضافة والنقل والمال يشّكل 19.6 بالمائة من ذلك المجموع. أما قطاع الخدمات الحكومية فلا يشكل أكثر من 17.1 بالمائة. غير أن الصناعات الإستخراجية تشكّل بدورها 38.8 بالمائة من الناتج المحلّي لمجموع الدول العربية أي أكثر من نصف مساهمة القطاع الإنتاجي. فإذا أضفنا الخدمات الحكومية وقسما من الخدمات التي ينتجها القطاع الخاص – وهي قطاعات ريعية كما أشرت في فقرة سابقة – يصبح الريع المصدر الرئيسي لتكوين الثروة. واريد أن ألفت النظر أن قسما كبيرا من الخدمات في القطاع الخاص يدور في محيط القطاع النفطي والغازي سواء لتوفير خدمات لذلك القطاع أو لتدوير الفوائض المالية الناتجة عن ذلك القطاع. هذا لا يعني بالطبع أن بعض الدول النفطية لا تحاول تنويع مصادر ثروتها ولكن لم تصل حتى الآن إلى بنية اقتصادية مستقلة في إنتاج الثروة عن القطاع النفطي والغازي.
أما إذا لجئنا إلى تقسيم الدول العربية إلى قسمين: الدول النفطية والدول غير النفطية فيظهر بوضوح أهمية مساهمة الناتج القومي للدول النفطية في الناتج القومي بسعر الكلفة لمجموع الدول العربية (74.3 بالمائة) – أي الثقل للناتج القومي للدول النفطية واضح مما يؤكد أهمية الريع في ذلك المجموع.
بالمقابل فإن الناتج القومي للدول غير النفطية لا يتجاوز ربع الناتج القومي الإجمالي بسعر الكلفة لمجموع الدول العربية. وحتى في تلك المجموعة نرى أن قطاعيّ الخدمات: الحكومي والقطاع الخاص يشكلان أكثر من خمسين بالمائة من الناتج القومي بسعر الكلفة. فالقطاعات الإنتاجية من زراعة وصناعة وبناء وطاقة تشكل مجموعة أقّل من الناتج القومي الإجمالي مما يدّل على دور الخدمات التي تطوّرت معظم نشاطتها إلى طابع ريعي.
2- هيكلية الإيرادات الحكومية
وما يعزز دور الريع في الاقتصاد العربي هيكلية الإيرادات الحكومية في موازناتها. تفيد البيانات المنشورة بأن الإيرادات الحكومية لمجمل الدول العربية بلغت عام 2005 أكثر من 396 مليار دولار اي ما يوازي 30 بالمائة من الناتج الداخلي لجميع الدول العربية. وبات واضحا أن الإيرادات الحكومية تشكل نسبة أكبر في الناتج المحلّي للدول النفطية حيث بلغت عام 2005 أكثر من 323 مليار دولار أي ما يوازي 40.3 بالمائة من الناتج القومي لتلك المجموعة. أما الدول غير النفطية فقد بلغت إيرادات الحكومات عام 2005 أكثر من 72.5 مليار دولار أي ما يوازي 26.1 بالمائة من الناتج القومي لتلك المجموعة (للمزيد من التفاصيل راجع الملاحق المرفقة في آخر الدراسة).
وإذا نظرنا إلى هيكلية تلك إلايرادات لجميع الدول العربية فنرى أن الإيرادات النفطية تراوحت بين 61.4 بالمائة عام 2000 و71.0 بالمائة عام 2005 ، ما يؤكد الطبيعة الريعية لتلك البنية. والجدير بالذكر أن الإيرادات الضريبية ترواحت بين 25.6 بالمائة عام 2000 و19.0 بالمائة عام 2005. في هذا السياق ألفت الإنتباه أن نسبة الضريبة على الدخل والأرباح من الناتج الداخلي تراوحت بين 7.3 بالمائة عام 2000 و5.2 بالمائة عام 2005 مما يؤكد الطرح أن الدولة الريعية لا تعتمد على الضرائب لتأمين نفقاتها بل تستند إلى مصادر طابعها الريعي بارزا. كما أن ذلك الأمر له دلالات واضحة لفهم بنية النظام السياسي القائم في الدول العربية كما سأبينه في القسم الثالث من هذه الدراسة.
أما فيما يتعلّق بالنفقات الحكومية فالمؤشرات الإحصائية تفيد بأن الدولة تلعب دورا أساسيا في الدورة الاقتصادية. فهي تؤكد مقولة الدولة بأنها المبادر الاقتصادي الأول. وليس هناك من فارق كبير بين الدول النفطية والدول غير النفطية بالنسبة لنسبة الإنفاق العام من الناتج المحلّي. هذا وقد وصلت نسبة الإنفاق العام من الناتج الداخلي لمجمل الدول العربية إلى أكثر من 29 بالمائة عام 2005 وهي مستقرّة على نسبة 30 بالمائة لفترة 2000-2005 (للمزيد من التفاصيل راجع الملاحق المرفقة في آخر الدراسة). فالأردن يحصل على ثاني أعلى نسبة (39.2 بالمائة) بعد دجيبوتي (39.7 بالمائة) بينما السودان يحصل على أدنى نسبة (20.2 بالمائة).
3- تحويلات العاملين العرب في الخارج
ذكرت في فقرة سابقة أن تحويلات العاملين في الخارج سواء كانوا في الدول العربية أو خارجها تشكل مصدرا للريع. ويشير التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2006 إلى "تزايد الاهتمام في الأعوام القليلة الماضية بالتدفقات المالية المرتبطة بتحويلات العاملين في الخارج كإحدى أهم مصادر التمويل الخارجية في الدول النامية" . ولقد أضاف التقرير إلى محتوياته محورا كاملا (الفصل العاشر) بعنوان: "تحويلات العاملين في الخارج والتنمية الاقتصادية في الدول العربية" معتبرا أنه "إضافة جيدة إلى التقرير ومرجعا للمسؤولين والدارسين لهذا الموضوع" . ويلحظ التقرير "أن الحجم الحقيقي لتحويلات العاملين بالخارج يتجاوز الأرقام المعلنة بصورة كبيرة، في ضوء احتساب التحويلات التي تتمّ عبر القنوات غير المنظمة (غير الرسمية)، الأمر الذي يجعل تأيثراتها بالغة الأهمية" مما يضيف على دور الريع في بنية الاقتصاد العربي. فما هي ملامح تلك التدفقات المالية؟
يميّز التقرير العربي الموحد بين دول مستقبلة لتلك التحويلات ودول مرسلة لها ودول تستقبل وترسل تلك التحويلات. فالبنسبة للدول المستقبلة بلغت تحويلات العاملين إلى الدول العربية المستقبلة ما يوازي 24.1 مليار دولار عام 2004 مقارنة ب 15.7 مليار دولار عام 2001. ولبنان بالذات استقبل نحو 5.6 مليار دولار، تلاه المغرب بنحو 4.2 مليار دولار، ثم مصر بمقدار 1.3 مليار دولار، فالجزائر والأردن بنحو 2.5 و2.3 مليار دولار على التوالي (للمزيد من التفاصيل راجع الملحق المرفق في آخر الدراسة).
أما نسبة هذه التحويلات من الناتج المحلّي الإجمالي فقد وصلت عام 2004 إلة أكثر من 6 بالمائة . غير أن في بعض الدول العربية كالأردن ولبنان وصلت تلك النسبة إلى أكثر من 21 و25 بالمائة على التوالي. بالمقابل، ترسل بعض الدول العربية المستقبلة لتلك التحويلات تحويلات لبلدان أخرى. فلبنان يرسل أكبر نسبة - أي حوالي 15 بالمائة من ناتجه المحلّي - إلى دول أخرى . الجدير بالذكر أن المؤشرات الإحصائية المنشورة تفيد بأن هذه التحويلات تنمو بنسبة مرتفعة – أي ما يوازي أكثر من 9 بالمائة خلال فترة 2001-2004 وذلك بسبب ارتفاع أسعار النفط.
4- الانكشاف الخارجي
من سمات الاقتصاد الريعي الانكشاف الخارجي. والمقصود بذلك هو أهمية الاستيراد لتلبيات حاجات المجتمع والاستدانة الخارجية. فالاقتصاد الريعي لا ينتج بطبيعته حاجيات المجتمع الذي يلجاء إلى استيراد ما يحتاجه. بالمقابل لا يصدّر الاقتصاد الريعي إلاّ تلك السلع التي تدّر له الريع. المؤشرات الاقتصادية تدّل بوضوع إلى عجز في الميزان التجاري للدول العربية إذا ما تمّ استثناء النفط والغاز (راجع الملحق رقم 6). فباستثناء الكويت ليس هناك من فائض في الميزان التجاري للدول العربية لعام 2005 إذا ما استثني النفط والغاز من الصادرات العربية. كما أن الصادرات العربية تشكل أكثر من 60 بالمائة من الناتج الداخلي للدول النفطية وأكثر من 51 بالمائة لمجمل الدول العربية. من جهة أخرى تشكّل الوارادت في الميزان التجاري لمجمل الدول العربية ما يوازي 29 بالمائة من الناتج الداخلي. و تتراوح النسب بين حدّ أدنى يوازي حوالي 19 بالمائة من الناتج الداخلي لكل من الجزائر (19.7 بالمائة) وليبيا (19.2 بالمائة) من بين الدول النفطية إلى حدّ أقصى يوازي 93.5 بالمائة للأردن يليه البحرين (61.9 بالمائة). أما إجمالي نسبة الواردات للدول النفطية من ناتجها الداخلي فوصلت عام 2005 إلى ما يوازي 26 بالمائة. وفي حال مجموعة الدول غير النفطية وصلت تلك النسبة لعام 2005 إلى 38 بالمائة.
المؤشر الثاني للإنكشاف الخارجي هو نسبة الدين الخارجي من الناتج المحلّي. في هذا السياق قسّم التقرير العربي الموحد الدول العربية إلى ثلاث مجموعات: المجموعة الأولى هي الدول التي يعتبر عبء المديونية الخارجية فيها معتدلا نسبيا وتضم كل من عمان والجزائر وسوريا والمغرب واليمن ومصر، حيث تقل تلك النسبة عن 50 بالمائة، ولا تتجاوز قيمة الدين العام الخارجي قيمة صادرات تلك الدول من سلع وخدمات . أما المجموعة الثانية، فهي الدول التي يعتبر عبء الدين فيها مرتفعا وتشمل كل من الأردن وتونس ولبنان، حيث تتراوح تلك النسبة إلى ما بين 50 بالمائة و 90 بالمائة، وتتجاوز قسمة الدين الخارجي لهذه الدول قيمة صادرتها من السلع والخدمات . وأخيرا المجموعة الثالثة تضم الدول التي يعتبر عبء المديونية فيها عالية ومتفاقما وتشمل السودان وموريتانيا حيث زادت نسبة الدين القائم إلى الناتج المحّلي في هذه الدول عن 90 في المائة، كما تجاوزت قيمة الدين الخارجي ما يزيد عن ضعف قيمة صادراتها من السلع والخدمات . في مطلق الأحوال إن انكشاف الدول العربية للخارج واضح ومزمن.
5- الاستيدانة المتفاقمة
إضافة للإنكشاف الخارجي عبر المديونية الخارجية فإن الاقتصاد الريعي يتلازم مع تفاقم المديونية الخاصة والعامة. وهذا أمر طبيعي إذ أن الاقتصاد الريعي لا يساهم في دعم الإنتاج ويتبع صيغة اختزال الوسائل عبر الاستيراد سواء للسلع أو للخبرات. وفي معظم الأحوال يتمّ تمويل ذلك الإستيراد عبر الدين. من جهة أخرى إن الاستيدانة لإجراء المضاربات المالية ليست إلاّ محاولة بائسة في آخر المطاف لإنتاج الثروة دون رأس مال. في أيام الفورة الاقتصادية وزيادة السيولة تكون الإستدانة الوسيلة الأسهل. أما في أياّم الشدة تصبح الإستدانة عبئا كبيرا على المجتمع. وهذة ثقافة متفشية حتى في الدول المتقدمّة التي تشهد تحوّلات نحو الاقتصاد الريعي المالي (الولايات المتحدة مثلا). من جهة أخرى إن الاستدانة من أجل الإستهلاك تدّل عن محاولة لإشباع الرغبات والشهوات عبر الحصول على السلع والخدمات التي تفوق إمكانيات الدخل. هذه هي فلسفة بطاقات الإئتمان التي تتيح للفرد الإستهلاك عبر الدين وإن كان بكلفة باهظة. فالفوائد التي تجنيها المؤسسات المالية على الأرصدة المدينة لحاملي البطاقات تصل إلى أكثر من 25 بالمائة سنويا مما يقارب تلك الفوائد بالربى! أما الدولة التي تستدين فهي تراهن على مستقبل لم تهيّء له إمكانيات التسديد. فهي تلجأ لتمويل نفقاتها الجارية واستثماراتها كنوع من الرشوة للمجتمع أو للفئات النافذة محليا أو إقليميا لحماية النظام. فلبنان خير مثيل على ذلك.
ليس هناك من بيانات مالية حول مستوى إستدانة القطاع الخاص والأفراد في الاقتصادات العربية وهذا مؤسف جدا وبالتالي يقتصر البحث على إستدانة الدول. هذا وقد وصل الدين العام لمجمل الدول العربية لعام 2005 إلى ما يوازي 270 مليار دولار . وتمثّل هذه القيمة ما يوازي 41 بالمائة من الناتج المحلي. هناك تفاوت في مستويات الدين بين مختلف الدول العربية غير أن "بيانات الدين الداخلي العام لا تتوافر لجميع الدول" . وتتراوح نسبة أرصدة الدين العام من الناتج الداخلي لعام 2005 بين حد أدنى يوازي 19 بالمائة في اليمن و82 بالمائة في الجزائر . و يتساوى الرصيدان – أي الناتج المحلي والدين العام – في لبنان بينما "يرتفع كثيرا رصيد الدين العام الداخلي عن رصيد الدين العام الخارجي في المغرب ومصر وسورية حيث تبلغ النسبة 184 في المائة و286 في المائة و297 في المائة على التوالي" .
لقد تمّ تبيان في الجزئين السابقين مصادر الريع وبنية الاقتصاد العربي الذي يسيطر عليه طابع الريع. فهناك دول ريعية بامتياز وهي الدول النفطية وهناك باقي الدول الذي يلعب الريع في اقتصادياتها دورا هاما. لكن هل هناك من علاقة بين الاقتصاد الريعي وطبيعة النظم السياسية القائمة في الدول العربية؟ هذا ما سيتمّ بحثه في القسم الثالث من هذه الورقة.
 

( كلنا شركاء ) 22/10/2008
 

 



 صفحة للطباعة صفحة للطباعة  أرسل هذا المقال لصديق أرسل هذا المقال لصديق

 


المقالات المنشورة على الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الحزب وهي تعبر عن رأي كاتبها والدعوة مفتوحة للحوار الديمقراطي على طريق بناء الوطن والمواطن ......


جميع الحقوق محفوظة لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي في سورية
2004-2010


انشاء الصفحة: 0.05 ثانية